وخلال جولة داخل هذا الصرح المتحفي الجديد، عاينت كاميرا Le360 مجموعة من القطع التي تختزل تفاصيل الحياة اليهودية المغربية عبر قرون، من طقوس الولادة والختان والزواج إلى الأعياد الدينية والحرف التقليدية، في مسار لا يتوقف عند عرض الموروث الديني، بل يمتد إلى إبراز مظاهر الحياة اليومية والعلاقات التي جمعت اليهود بالمسلمين في مختلف مناطق المملكة.
ويحتضن المتحف، الواقع بحي الملاح الذي تأسس سنة 1438، فضاءات عرض تمتد على نحو 1200 متر مربع، ضمن مبنى تتجاوز مساحته الإجمالية 1700 متر مربع، وقد اكتملت أشغال إنجازه في مارس 2023، بعدما أُطلق المشروع سنة 2019 في إطار برنامج إعادة تأهيل المدينة العتيقة بفاس، بالتزامن مع مشروع ترميم قصر البطحاء الذي أصبح متحفا للفنون الإسلامية.
يستهل الزائر رحلته بخط زمني يستعرض أبرز محطات الوجود اليهودي بالمغرب، من أقدم الشواهد التاريخية إلى العصر الحديث، مرورا بتأسيس الملاح بفاس ووصول اليهود المطرودين من الأندلس سنة 1492، مع تسليط الضوء على إسهاماتهم في الحياة العلمية والتجارية والاجتماعية، وما راكموه من تقاليد ومعارف ظلت حاضرة في الذاكرة المغربية.
وتتواصل الجولة عبر فضاءات مخصصة للمؤسسات المجتمعية والشخصيات الدينية البارزة، حيث تحضر المخطوطات والوثائق التاريخية وأدوات العبادة، إلى جانب شواهد جنائزية منقوشة بالعبرية، فيما تفتح نوافذ إحدى القاعات على المقبرة اليهودية، في امتداد رمزي بين المعروضات والذاكرة التي تحتضنها المدينة.
وفي الطابق العلوي، تنتقل المعروضات إلى تفاصيل دورة الحياة، من خلال كرسي مخصص لطقوس الختان، وعقود الزواج اليهودية، ولباس العروس التقليدي المعروف بـ«الكسوة الكبيرة»، فضلا عن الشالات الدينية ولفائف التوراة وأغطيتها، ومجوهرات فضية وأزياء تقليدية تعكس اختلاف العادات والخصوصيات بين مناطق المغرب، من تافيلالت إلى الجنوب المغربي.
Lors de l'inauguration du Musée de la culture juive marocaine. (Y.Jaoual/Le360)
ولا يغيب عن هذا المسار جانب الحرف والصناعات التقليدية، إذ أعاد المتحف تشكيل ورشة للصياغة تستحضر مهارات الحرفيين اليهود المغاربة، الذين ارتبط اسمهم بصناعة الحلي والمجوهرات في عدد من المدن والقرى، فيما تكشف قطع النسيج والألبسة المطرزة والأحزمة المنسوجة عن غنى الموروث المادي الذي تناقلته الأجيال.
وفي هذا السياق، اعتبر مهدي قطبي، رئيس المؤسسة الوطنية للمتاحف، في تصريحه لـle360، أن افتتاح متحف الثقافة اليهودية المغربية يشكل رسالة قوية تعكس تشبث المغرب بقيم التعايش والأخوة، وتتيح للزوار اكتشاف صفحات من التاريخ المشترك بين اليهود والمسلمين، مبرزا أن نحو ثلاثة أرباع القطع المعروضة تنتمي إلى مجموعات المؤسسة، التي عملت على اقتناء عدد منها، إلى جانب قطع أخرى قدمها متبرعون، بما أسهم في إبراز غنى الموروث اليهودي المغربي وتنوع تعبيراته الثقافية والحضارية.
أما سيرج بيرديغو، الأمين العام لمجلس الطوائف اليهودية بالمغرب والرئيس المؤسس لمؤسسة التراث الثقافي اليهودي المغربي، فاعتبر أن متحف الثقافة اليهودية المغربية يشكل فضاء لصون الذاكرة اليهودية المغربية والتعريف بإسهاماتها في مختلف المجالات الثقافية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية، مبرزا أن هذا الموروث يشكل جزءا أصيلا من تاريخ المملكة وهويتها، ويعكس غنى روافدها الحضارية وتعدد مكوناتها الثقافية
وأضاف بيرديغو أن نحو 3000 يهودي مغربي يمثلون جالية يهودية مغربية يصل عدد أفرادها عبر العالم إلى مليون شخص، مؤكدا عمق ارتباطهم بالمغرب وتشبثهم بهويتهم المغربية، رغم إقامتهم في بلدان مختلفة، وهو ما يعكس، بحسب تصريحه، متانة الصلة التي تجمعهم بوطنهم الأم واعتزازهم بانتمائهم إليه.
وبالنسبة إلى علاء الفشتالي، أمين المتحف، فإن المشروع يتجاوز إقامة فضاء لعرض القطع التاريخية، ليجسد عملا علميا وتراثيا وإنسانيا يروم صون الذاكرة المغربية ونقلها إلى الأجيال المقبلة، مبرزا أن إطلاق متحف الثقافة اليهودية المغربية بالتزامن مع متحف الفنون الإسلامية بالبطحاء يعكس تصورا متكاملا للتراث الوطني، يقوم على تعدد روافده وتكامل مكوناته.
ويشكل افتتاح متحف الثقافة اليهودية المغربية إضافة نوعية للمشهد الثقافي بمدينة فاس، بما يتيحه من فرصة لاكتشاف جانب من تاريخ المملكة واستحضار إسهامات اليهود المغاربة في تشكيل موروثها الحضاري، من خلال معروضات توثق لذاكرة ظلت حاضرة في تفاصيل الحياة المغربية عبر قرون.















