إنّ العديد من الفنانين الكبار أمثال الجيلالي الغرباوي وعباس صلادي لم يستفيدوا من لوحاتهم، فقد عاشوا حياة ضنكة ومأساوية على حافة الجوع والنسيان. تبدو سيرة الفنان الجيلالي الغرباوي ذات ميسم درامي أو سينمائي أكثر من كونها تجربة تشكيلية، فالطريقة التي بها توفي وهو ممدداً على مقعد حديدي بمدينة باريس الفرنسية مُتجمّداً من شدّة البرد، تُظهر حيوات بعض الفنانين والطريقة التي بها تألموا فخرجت لوحاتهم من أجسادهم كالفراشات المزركشة ورفرفت بعيداً فوق مواطن جماليّة أخرى. لم يستفد الغرباوي أي شيء من لوحاته المنتشرة هنا وهناك، بفعل الجدل الذي رافق أسعارها المرتفعة، بما جعل العديد من « الشناقة » يحاصرون تجربته بالتزوير ورفع سقف البيع داخل الأسواق السوداء.
ماذا تبقى للمغاربة من الغرباوي؟ أليس من حق المجتمع بمختلف أجياله الاستمتاع بإرث الفنان ومتابعة أعماله داخل معارض وطنية ودولية والكتابة عنها وإقامة نوع من التجاور الفكري الذي يجعل المواطن/ المتلقّي ينسج مع الأعمال الفنّية تجربة صوفية قوامها التأمّل.
إنّ إرث الفنانين هو إرث للمغاربة جميعاً ومن حقّهم طرح الأسئلة الحرجة حول غياب بعض الأعمال الفنية من داخل المتاحف، خاصّة حين يتعلّق الأمر بتجارب كبيرة تُلهب أسواق الفن، كما حدث مع الفنان عباس الصلادي الذي بقدر ما تمّ تزوير لوحاته، أصبح من الصعب على عشاق الفن شراء لوحة صغيرة للصلادي، بحكم ما يحبل به الواقع من لوحات غير أصلية. إنّ الذين قاموا بتزوير لوحات الصلادي والغرباوي لم يقوموا فقط بنسخ تجاربهم داخل لوحات أخرى، بقدر ما أصبحوا مبدعين « حقيقيين » في عملية التزوير لدرجة تفوقوا فيها على الفنانين الحقيقيين أنفسهم.
لا يعنينا هنا مسألة تزوير اللوحات الفنية، إلاّ بالطريقة التي تنعكس سلباً على الإرث الفني، إذْ بمجرّد ما يموت الفنان تصبح أعماله محض خرافة وهباء. إنّ حياة اللوحة بعد رحيل صاحبها تصبح مطبوعة بالتشظي والانفلات، إذْ لم يعُد البعض معنياً بتراث الفنان بعد وفاته، إلاّ بمقدر ما سيربحه من أموال بعد عملية البيع. أما الجانب الفني الجمالي الذي تُمثّله بعض التجارب الفنية من رمزية وقدرة متفرّدة على خلق تماهٍ حقيقي مع الواقع والمجتمع، تظلّ بمنأى عن الاهتمام من لدن الورثة.
ينبغي اليوم في « زمن النسيان » وطمس الهوية وأفول المواقف والتضحيات، أنْ نُعيد تأسيس هوية بصرية حقيقية لفنوننا التشكيلية وذلك بمشاركة كوكبة من الفاعلين والنقاد وعائلات بعض الفنانين، من أجل الرفع من منسوب الوعي تجاه بعض الأعمال التشكيلية وإبراز قيمتها وما تنضح به من جماليات مذهلة. وذلك لأن ظاهرة الاغتناء من الإرث الفني بعد رحيل الفنانين التشكيليين أخذت في السنوات الأخيرة، تؤثّر بشكل كبير على سيرة وتحوّلات الفن المعاصر، ليس على مستوى الرأسمال المادي لهذه الأعمال، وإنّما على سيرة الأعمال التشكيلية وحرمان عشاق الفن من مشاهدتها من جديد.
غياب الاهتمام بالإرث الفني والمُنجز التشكيلي لبعض الفنانين نابعٌ من عدم وعي العديد من الناس بقيمة اللوحات التشكيليّة، باعتبارها تُمثّل تراثا جماعياً يحقّ للمغاربة الاستمتاع به ونسج علاقة صداقة معه داخل المعارض الفنية واللقاءات الثقافيّة. وعي العائلات بما تركه الفنان من لوحات وصور ورسومات ووثائق وكتابات ورسائل، قادرة على ضمان حياة ثانية للفنان في قلوب جماهيره وعشاقه. إنّ آفة الثقافة المغربية متمثلة في النسيان، إذْ بمجرد ما يموت الفنان يتلاشى مشروعه الفني وتصبح لوحاته مبعثرة هنا وهناك. إذْ رغم الرواج التجاري الذي قد تحققه بعض التجارب الفنية على مستوى البيع والتداول داخل سوق الفنّ، فإنّ غيابها من أمام عيون النقاد والمتلقي يساهم بشكل كبير في ضياع هذه التجارب وذلك لدرجةٍ قد تصبح فيه بعض هذه المشاريع الفنية غريبة ومنسيّة حتى داخل الفضاء الثقافي الذي صُنعت فيه.
مرحبا بكم في فضاء التعليق
نريد مساحة للنقاش والتبادل والحوار. من أجل تحسين جودة التبادلات بموجب مقالاتنا، بالإضافة إلى تجربة مساهمتك، ندعوك لمراجعة قواعد الاستخدام الخاصة بنا.
اقرأ ميثاقنا