ثمة سؤال يفرض نفسه وسط الضجيج الإعلامي الذي يرافق نهائي «الكان»: هل يدار صراع آخر بعيدا عن التنافس الرياضي؟ في وقت تصعد فيه الجامعة السنغالية لكرة القدم لهجتها عبر خرجات هجومية ومؤتمرات صحفية متتالية، تمر البلاد بمنطقة اضطرابات حادة تجمع بين ضعف المؤشرات الاقتصادية، والاحتقان الاجتماعي، والغموض السياسي. توقيت هذا التصعيد لا يبدو اعتباطيا.
صراع في قمة الدولة
بينما يتصدر ملف «الكان» المشهد، تظهر السلطة السنغالية في موقف لا تحسد عليه. يقوم الحكم اليوم على توازن دقيق وهش بين رئيس الجمهورية، باسيرو ديوماي فاي، ورئيس وزرائه عثمان سونكو؛ وهي ثنائية بدأت تظهر عليها علامات الإرهاق بعدما مكنت سابقا من تحقيق التداول على السلطة.
يتوزع المشهد بين سلطة مؤسساتية تجسد الدولة، وشخصية سياسية محورية تستند إلى قاعدة شعبية صلبة ووزن حاسم في البرلمان. هذا التداخل في المشروعيات يغذي توترات تطفو على السطح، تغذيها تباينات في الرؤى وصراعات نفوذ.
ولم يعد سيناريو القطيعة بين رأسي الجهاز التنفيذي مجرد فرضية، بل بات نذيرا بمرحلة عالية المخاطر قد تؤدي إلى إضعاف الأغلبية البرلمانية وزعزعة الاستقرار المؤسساتي.
اقتصاد مخنوق ومصداقية على المحك
لا ينفصل التنافس بين الرجلين عن واقع اقتصادي متأزم، يتسم باختلالات ميزانياتية، وأزمة ثقة، وتعليق برنامج صندوق النقد الدولي.
فقد أدى اكتشاف ثغرات كبرى في المالية العامة، لا سيما نقص تقدير العجز ومراجعة الدين العام الذي يقترب من 100% من الناتج المحلي الإجمالي (وقد يصل إلى 120% حسب بعض التوقعات)، إلى تدهور صورة البلاد لدى المستثمرين وزيادة تذبذب الأسواق.
إقرأ أيضا : نهائي كأس أمم إفريقيا: قرار انضباطي من «الكاف» رحيم بالسنغال.. قاس ومثير للجدل تجاه المغرب
في هذا المناخ، تزيد التوترات السياسية من ضبابية الفعل العمومي. وبما أن الاقتصاد السنغالي يعتمد بشكل كبير على التمويلات الخارجية، فإن أي عدم استقرار يترجم آليا إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض وتراجع الجاذبية الاستثمارية. تضاف إلى ذلك تبعات هيكلية مثل الارتقاء المفرط إلى الاستيراد الغذائي والطاقي، مما يجعل البلاد عرضة لتضخم مستورد ومخاطر اجتماعية حقيقية.
هذه اللوحة القاتمة تتناقض تماما مع الوعود الوردية المرتبطة بدخول السنغال عصر النفط والغاز، والتي كان من المفترض أن تدفع بالنمو إلى سقف 8%. لكن هذه التوقعات تظل رهينة الاستقرار السياسي والمصداقية المالية.
الجزء الغارق من جبل الجليد
في ظل هذه الظروف، يبرز تضخيم الخطاب حول «كان 2025» كأداة استراتيجية. ومع استمرار الغموض بشأن الحسم النهائي في هوية البطل، يحتل عبد الله سايدو سو، الأمين العام للجامعة السنغالية لكرة القدم، المساحات الإعلامية بمنهجية واضحة.
يتبنى «سو» سردية المواجهة، مخرجا النزاع من إطاره القانوني الصرف ليدرجه ضمن قراءة سياسية وعاطفية، يُشار فيها ضمنيا إلى المغرب كمستفيد من تحكيم مثير للجدل، حتى وإن ظلت الكونفدرالية الإفريقية (كاف) هي المستهدفة رسميا.
AFP
هذا النهج الهجومي أوجد تعبئة لدى جزء من الجمهور السنغالي الذي لا يزال يطالب باللقب رغم قرار «الكاف»، معلقا آماله على محكمة التحكيم الرياضي «طاس».
غير أن نشاط عبد الله سو الإعلامي يتزامن مع وضع شخصي معقد جراء ملاحقات قضائية، ومنع من مغادرة التراب الوطني صدر بحقه عام 2024؛ ما يجعل استماتته في ملف المنتخب أقرب إلى محاولة لترميم صورته المهنية واستعادة موقعه السياسي.
لقد بلغت حدة خطابه ذروتها بمهاجمة رئيس الوزراء عثمان سونكو، متهما إياه بالتحول إلى «قاض ووكيل للملك وشرطي»، معتبرا أن «الجمهورية هي التي تضررت» بسبب ما وصفه بتصفية الحسابات الشخصية.
استغلال الكرة لتصفية الحسابات
يتكرر النمط ذاته مع عبد الله فال، رئيس الجامعة السنغالية والحليف المقرب من الرئيس السابق ماكي سال. فتوليه رئاسة الجهاز الكروي لا يزال يثير جدلا واسعا، وسط اتهامات بالفساد وشبهات شابت العملية الانتخابية. هذه الطعون تضعف شرعيته وتفسر انحيازه للخط المتشدد في ملف «الكان».
إن استغلال الأزمة يبدو وسيلة لتحويل نقاشات الرأي العام من انتقاد الحكامة الرياضية إلى خطاب «الدفاع الوطني».
إقرأ أيضا : كواليس خمس ساعات من الاستماع في ملف نهائي الكان
ومن خلال تأجيج المنافسة مع المغرب، يسعى «فال» لإعادة صياغة موازين القوى الداخلية لصالحه.
يكشف تقاطع هذه المسارات عن استغلال مفضوح لكرة القدم كمتنفس للتعويض عن هشاشة سياسية وقضائية. فالرهان يتجاوز مصير لقب قاري؛ إذ أن أي تأكيد من محكمة «طاس» لقرار «الكاف» سيضع هؤلاء المسؤولين في مواجهة مباشرة مع ملفاتهم العالقة وضغوط متزايدة على مناصبهم.
لم يعد ملف «كان 2025» مجرد خلاف رياضي، بل تحول إلى صندوق رنين لتجاذبات قانونية وسياسية واقتصادية معقدة. ويبقى السؤال: هل تنجح كرة القدم في كشف الحقيقة أم أنها تساهم في حجبها؟









