بمدخل مدينة برشيد، تلفت انتباهك بحيرات مائية كبيرة تمتد لهكتارات وسط خضرة الأراضي الفلاحية. مشهد قد يبدو طبيعيا للوهلة الأولى، لكنه في الواقع يخفي خطرا حقيقيا يهدد المدينة، فهذه المياه، ليست سوى مياه أمطار مختلطة بمياه الصرف الصحي القادمة من أحواض تجميع المياه في انتظار تصريفها نحو محطة المعالجة التي بلغت طاقتها الاستيعابية القصوى.
مشروع مؤجل بسبب الكلفة
غياب قناة ربط خارجية لتصريف المياه، إشكال يؤكد المسؤولون أنه كان في الأمس القريب حله ضروري لتطور المدينة وحماية بناها التحتية، لكنه اليوم بات مسألة استعجالية لحماية ساكنتها من الفيضانات خصوصا في ظل التغيرات المناخية. يسابق المجلس الجماعي للمدينة الزمن لحلها.
ويكمن الحل المقترح في إحداث قناة رئيسية لتصريف مياه الأمطار. مشروع ظل مطروحا على طاولة المجلس الجماعي الحالي والمجالس السابقة، غير أنه بقي حبيس الرفوف بسبب غياب شركاء في التمويل، بالنظر إلى الكلفة المالية الضخمة التي تفوق الإمكانيات السنوية للجماعة.
وتعود التقديرات الأولى لكلفة هذا المشروع إلى سنة 2003، حيث قُدّرت حينها بحوالي 30 مليار سنتيم دون احتساب كلفة اقتناء الوعاء العقاري، فيما تشير المعطيات الحالية إلى أن هذا الرقم تضاعف بشكل كبير، ما زاد من تعقيد تنزيله على أرض الواقع.
أمطار استثنائية كشفت هشاشة البنية التحتية
في هذا السياق، أوضح خالد مكافح، رئيس مصلحة المساحات الخضراء والإنارة العمومية بجماعة برشيد، أن المدينة عرفت تساقطات مطرية استثنائية على غرار باقي مدن المملكة، حيث تجاوزت 180 ملمترا في أسبوع واحد، وهو ما أدى إلى اختناق عدد من القنوات.
وأكد المتحدث أن لجنة اليقظة، تحت إشراف عامل إقليم برشيد، قامت بتعبئة شاملة لمختلف الموارد البشرية واللوجستيكية، مشيرا إلى أن الشركة المفوض لها التدبير قامت بمجهودات ميدانية كبيرة، همت فتح وتنقية البالوعات، ما ساهم في التقليص من حجم المخاطر والأضرار، خاصة في بعض النقط السوداء المعروفة مثل منطقة جوهرة برشيد.
تدخلاج ميدانية بمدينة برشيد لتفادي ارتفاع منسوب المياه
غير أن مكافح شدد على أن هذه التدخلات تبقى حلولا ظرفية، مبرزا أن مشكل تصريف المياه بالمدينة أعمق ويتطلب حلا جذريا، يتمثل في مشروع استراتيجي لربط المدينة مباشرة بمصب واد مرزك، داعيا إلى تعبئة جميع المتدخلين والفاعلين للمساهمة في تمويل هذا الورش الحيوي.
خطر دائم
من جانبه، أكد مرزاق أحمد، رئيس المصلحة التقنية بجماعة برشيد والمشرف على قطاع التطهير، أن الأمطار الأخيرة كانت استثنائية، غير أن تفرقها الزمني خفف من حدتها وجنب المدينة مخاطر أكبر، مشيرا إلى أن الإشكال الحقيقي يكمن في غياب مصب طبيعي، وكون شبكة التطهير، خصوصا المتعلقة بالمياه الشتوية، لم تواكب التوسع العمراني والكثافة السكانية المتزايدة، وهو مشكل لم يبرز خلال سنوات الجفاف المتتالية التي عرفها المغرب.
وأوضح أن الأمطار الأخيرة كشفت هذا الخلل بشكل جلي، حيث تجمعت المياه على مستوى عدة هكتارات عند مدخل المدينة، وهي منطقة لعبت دور حوض مؤقت ساهم في حماية المدينة من الغرق، قبل أن تنتقل المياه إلى الضفة الأخرى، ما أثار مخاوف حقيقية من انقطاع الطريق الرئيسية وتوقف حركة القطارات.
ومن بين الحلول التي اقترحتها لجنة اليقظة، في إطار الحلول الإستعجالية،يضيف المتحدث، هو تفريغ جزء من المياه بالضفة الغربية لتقليص الضغط ولتفادي تضرر السكة الحديدية وتوقف حركة سير القطارات، مؤكدا أن هذا الإجراء يبقى مؤقتا، في انتظار تنزيل الحل النهائي المتمثل في إنجاز قناة رئيسية تربط برشيد بدار بوعزة عبر واد مرزك.
وأشار مرزاق إلى أن هذا المشروع يعود إلى تصميم مديري قديم، أكد منذ سنوات حاجة المدينة إلى ربط خارجي، حيث قُدّرت كلفته آنذاك بحوالي 30 مليار سنتيم دون احتساب الوعاء العقاري، مبرزا أن جانب التطهير لم يواكب الطفرة العمرانية التي شهدتها المدينة.
وأوضح أن المجلس الجماعي واع بحجم الإشكال، وقد ناقشه مع مجلس الجهة، غير أن تنزيل المشروع يتطلب تدخلا متعدد الأطراف، نظرا لكون الجماعة والشركة الجهوية غير قادرتين على تحمله لوحدهما.
كما لفت المتحدث إلى إشكالية أخرى تتعلق بـ المياه الصناعية، التي تؤثر سلبا على جودة المياه التي تصل إلى محطة المعالجة، بسبب عدم التزام بعض الوحدات الصناعية بالمعالجة الأولية، رغم أن هذا الإجراء يعد شرطا أساسيا فرضته الجماعة، وساهمت في تمويل محطات المعالجة لفائدة عدد من الوحدات، مع تسجيل حالات غش لدى بعضها.
محطة معالجة بلغت طاقتها القصوى
وفي السياق ذاته، أكد المسؤول أن محطة معالجة المياه العادمة بسيدي المكي الواقعة على بعد حوالي 10 كيلومترات من المدينة قد بلغت طاقتها الاستيعابية القصوى سنة 2025، ما يفرض التفكير في توسيعها، إما عبر اقتناء عقار إضافي أو تغيير نمط المعالجة، وهي مشاريع تتطلب ميزانيات ضخمة تشتغل عليها الشركة المفوض لها تدبير القطاع.
وحذر مرزاق من أن خطر الفيضانات يظل قائما، خاصة في ظل وجود سدود أعلى المدينة، وضعف قدرة المضخات المرتبطة بالقنوات الحالية، مؤكدا أن المشكل لا يتعلق فقط بتنقية القنوات، بل بغياب قنوات رئيسية قادرة على استيعاب كميات كبيرة من المياه.
تعبئة ميدانية دون خسائر
من جهته، أكد محمد القباج، المدير الإقليمي للشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء – سطات ببرشيد، أن الشركة قامت، منذ بداية التساقطات، بتعبئة مختلف الموارد البشرية واللوجستيكية، من شاحنات صهريجية ومضخات، ما مكن من تأمين حركة السير الطرقي والسككي، دون تسجيل أي خسائر بشرية أو مادية.
وأوضح القباج أن الإشكال الجوهري الذي تعاني منه برشيد يعود إلى غياب قناة لتصريف مياه الأمطار على مستوى أحواض التجميع، إضافة إلى الطبيعة الطبوغرافية المنبسطة للمدينة، التي تحد من انحدار قنوات التطهير.
وأضاف أن الشركة بصدد إطلاق مجموعة من المشاريع، تهم إعادة تأهيل البنية التحتية لشبكة الصرف الصحي، وتحديث محطات معالجة المياه العادمة، وإنجاز قنوات جديدة لتصريف مياه الأمطار والمياه الصناعية، في أفق التخفيف من حدة هذا المشكل البنيوي.











