رحلة الاسم عبر التاريخ
يقول الأستاذ والباحث لحسن رهوان، صاحب كتاب «أم الربيع الذاكرة والتاريخ»، إن هذا النهر حظي باهتمام المؤرخين والجغرافيين والرحالة منذ القدم، وتعددت أسماؤه عبر العصور، مشيرا إلى أن أقدم تسمية تعود إلى الرحالة الأمير القرطاجي حانون الذي أطلق عليه اسم «أناتيس»، قبل أن تظهر تسميات أخرى في المصادر اليونانية واللاتينية مثل «أسانا» و«كوفا».
ومع المصادر العربية الإسلامية، يضيف المتحدث، برزت أسماء من قبيل «وانسيفن» و«واسيفن» و«مربيع»، وصولا إلى الاسم الحالي «أم الربيع». ويرجح الباحث أن أصل التسمية أمازيغي، مشتق من كلمتي «بويسافن» أو «أسيف نيسافن»، بمعنى «ذو الأنهار» أو «نهر الأنهار»، في إشارة إلى كثرة روافده.
من أين ينبع؟
تبدأ رحلة أم الربيع بالتقاء ثلاث وديان قادمة من جنوب إقليم إفران على ارتفاع يقارب 1800 متر، الأول قادم من مرتفعات تمحضيت، والثاني هو وادي فلات القادم من جبل حيان والثالث هو وادي ويوان القادم من جبل سيدي مكيد بمرتفعات إيش إيزكزا، وعند وصولها إلى منطقة المنابع، تتدخل الطبيعة بقوتها الخفية، عيون تتفجر من باطن الأرض تتجاوز، حسب المؤرخين والباحثين، 40 عينا ترفع صبيب الوادي وتضاعف قوته ليشق طريقه لمسافة تقارب 550 كيلومترا، يخترق خلالها السلسلة الجبلية وسهل تادلة والهضبة الساحلية، قبل أن يصب مياهه في المحيط الأطلسي عند مدينة أزمور وتحديدا بمنطقة «لالة عيشة البحرية».
وفي هذا السياق، يقول ايت فريحة، سعيد رئيس مصلحة تخطيط موارد المياه والدراسات بوكالة حوض أم الربيع، إن هذا النهر «غالبا ما يأتي في مقدمة الأنهار من حيث انتظام الصبيب».
من جانبه، يوضح الأستاذ والباحث لحسن رهوان، صاحب كتاب «أم الربيع الذاكرة والتاريخ»، أنه يمكن تسجيل ملاحظتين أساسيتين بخصوص منابع أم الربيع، الأولى تتعلق بكثرة العيون، لدرجة استحالة حصرها بدقة كما ورد عند صاحب «كباء العنبر» أحمد المنصوري، رغم أن البعض حاول تحديدها في أربعين عينا منها الحلوة أو ما يسمى بالعذبة والمالحة، أما الملاحظة الثانية فتهم الطابع الكارستي لهذه العيون، إذ تنبع من طبقات جيولوجية كلسية نافذة تسمح بتخزين المياه الجوفية.
وبما أن المنطقة تتميز بتساقطات مطرية وخصوصا ثلجية مهمة، يضيف المتحدث، وبما أن جل تضاريسها كلسية، فإن معدل النفاذية حسب بعض الدراسات يصل إلى 33 في المئة، وهذا ما يفسر أهمية المخزون الباطني لمياه عيون نهر أم الربيع.
من المنبع إلى المصب.. رحلة الـ550 كيلومترا
لا يمضي أم الربيع في رحلته وحيدا، بل ترافقه أنهار تلتحق به تباعا، تغذي صبيبه وتضاعف قوته أبرزها وادي سرو، وادي درنة، واد تساوت، واد العبيد، ووادي الخضر، بالإضافة إلى مجموعة من المنابع الدائمة، أهمها عيون أم الربيع وعين أسردون. وهو ما يفسر تشييد 15 سدا على ضفافه بسعة إجمالية تتجاوز 5 مليارات متر مكعب لتدبيير تدفق مياهه وحماية المناطق التي يعبرها من الفيضانات.

يستقبل أول روافده الكبيرة قبل وصوله إلى سد أحمد الحنصالي، ويتعلق الأمر بوادي سرو القادم من مرتفعات ميدلت وبولمان، ليواصلا معا الجريان داخل إقليم بني ملال، مرورا بسد آيت مسعود وقصبة تادلة، وصولا إلى جماعة أولاد يعيش، حيث يلتقي بثاني روافده، وادي درنة، القادم من مرتفعات تاكزيزت.
ويواصل مساره نحو إقليم الفقيه بنصالح، وتحديدا قرية برماست بجماعة حد بوموسى، حيث يحتضن أهم روافده، وادي العبيد، المنحدر من جبل المعسكر بالأطلس الكبير، وعليه يوجد ثاني أكبر سد في الوكالة والثالث على المستوى الوطني، سد بين الويدان بإقليم أزيلال، الذي شيد عند التقاء وادي العبيد وأحنصال.

وبعد نحو عشرين كيلومترا، يستقبل مياه وادي تساوت القادم من جبل مكون بمرتفعات الأطلس الكبير، حيث يوجد سد مولاي يوسف، ثم يكمل طريقه ليحتضن وادي الخضر الذي بني فوقه سد الحسن الأول.
وبعدما يتغذى من منابع الأطلسين الكبير والمتوسط، يكمل وادي أم الربيع جريانه في اتجاه القلب النابض لوكالة الحوض المائي لأم الربيع، ثاني أكبر سد بالمملكة، سد المسيرة، الواقع بين إقليمي سطات والرحامنة. ومن هذا الصرح المائي، يخترق سهول دكالة الخصبة، مارا بسدود إمفوت والدورات وسيدي سعيد معاشو وسيدي الضاوي، آخر المنشآت المائية على مجراه، قبل أن يبلغ مصبه في المحيط الأطلسي عند منطقة لالة عيشة، قرب مدينة أزمور.
يروي قرابة 10 ملايين نسمة وينتج نحو نصف الطاقة الكهرومائية بالمملكة
هذا النظام المائي المعقد، شكل ما يعرف بـ«حوض أم الربيع»، وهو ثاني أكبر أحواض المملكة بعد حوض سبو، يمتد على مساحة 48 ألف كيلومتر مربع، موزعة بين 16 إقليما و5 جهات.

ويتميز الحوض بدور اقتصادي بارز يقوم أساسا على الفلاحة العصرية والصناعات الغذائية، خاصة معاصر الزيتون ومعامل السكر، إلى جانب النشاط المعدني.
وحسب معلومات حصلنا عليها من وكالة الحوض المائي لأم الربيع، فإن هذا الأخير يؤمن التزويد بالماء الصالح للشرب لحوالي 10 ملايين نسمة، أي ما يعادل 30% من سكان المملكة، كما يغطي مجالا فلاحيا واسعا بمساحات مسقية تصل إلى 335,500 هكتار.
ويبلغ متوسط التساقطات السنوية بالحوض 378 ملم، فيما تقدر الموارد المائية السنوية بحوالي 3.3 مليار متر مكعب.

ويعتمد الحوض على بنية مائية مهمة، فإلى جانب السدود 15، هناك 12 طبقة مائية جوفية يتم استغلالها بحجم يصل إلى 610 مليون متر مكعب سنويا، رغم تسجيل استنزاف سنوي يناهز 300 مليون متر مكعب.
وفي ما يخص الطلب، يبلغ الاستهلاك الموجه للماء الصالح للشرب 260 مليون متر مكعب داخليا و170 مليون متر مكعب خارجيا، مقابل طلب فلاحي يصل إلى 3.4 مليار متر مكعب داخليا و290 مليون متر مكعب خارجيا.
كما يساهم الحوض في إنتاج الطاقة عبر 13 وحدة تمثل 47% من القدرة المركبة، 80% منها بفضل محطة الضخ والتخزين بأفورار، إلى جانب دوره في الحماية من الفيضانات عبر معالجة 60% من بين 120 موقعا معرضا للخطر، مع تحقيق مداخيل سنوية من الرسوم تتراوح بين 30 و80 مليون درهم.
أدوار سياسية واقتصادية ودينية
لعب هذا النهر أدوارا سياسية واقتصادية ودينية عبر التاريخ، جعلت منه جزء لا يتجزأ من تاريخ المغرب وهويته،
ويؤكد الباحث أن النهر ساهم في تنظيم المجال، حيث شكل حدا طبيعيا بين القبائل، كما كان فاصلا بين النفوذ السياسي للدول، مثال الدولتين الوطاسية والسعدية.
كما ارتبط بظهور تجمعات بشرية منذ المنبع، حيث تشير المصادر إلى قرية قديمة سميت «أم الربيع» اندثرت مع الزمن، إضافة إلى مدن لا تزال قائمة مثل خنيفرة وتادلة وأزمور، إلى جانب مراكز أخرى اختفت مثل السبيت وتامراكشت.
منابع أم الربيع بمنطقة خنيفرة
اقتصاديا، يبرز المتحدث دور النهر في عدة مجالات، أولها توفير الماء الصالح للشرب، وهو ما أشار إليه شارل دو فوكو في كتابه: «التعرف على المغرب»، كما يوفر ثروة سمكية مهمة، على رأسها سمك «الشابل»، الذي ارتبط اسمه بالنهر وبلغت شهرته خارج المغرب، حيث أشار الحسن الوزان في «وصف إفريقيا» إلى تصديره بكميات كبيرة نحو أوروبا.
ويساهم النهر أيضا في سقي الحقول والبساتين، إضافة إلى دعم المراعي التي تعتمد عليها تربية الماشية.
وعلى المستوى الديني، يورد الباحث قصة متداولة في شكل أسطورة، تتحدث عن أربعين دجالا حاولوا السيطرة على كنز مزعوم عند المصب، وتمكنوا من إيقاف منابع النهر، قبل أن تنفجر من جديد بقوة وتقضي عليهم. وتبرز هذه الرواية، رغم طابعها الأسطوري، الأهمية الروحية للنهر.
وفي الجانب الديني لفت رهوان إلى أن ضفافه شكلت مجالا لانتشار الزوايا والأضرحة، مثل زاوية سيدي علي وبراهيم، والزاوية الناصرية، والزاوية الدلائية، وغيرها من الفضاءات الدينية.
ورغم هذه الأهمية الاستراتيجية، يرى الباحث أن وادي أم الربيع لم يحظ بما يستحقه من اهتمام واعتراف، سواء على مستوى التثمين أو التعريف بأدواره التاريخية والتنموية، وهو ما دفعه إلى إصدار كتابه «نهر أم الربيع الذاكرة والتاريخ»، والذي حاول من خلاله رد الاعتبار لهذا التراث الطبيعي، من خلال تناول قضاياه المرتبطة بالاسم والمنبع والروافد، إضافة إلى أدواره السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وخلص إلى أن هذا النهر يلخص «تاريخ وذاكرة مجال»، إذ يجمع بين تراث مادي يتمثل في المعالم والآثار، وتراث لا مادي غني بالعادات والتقاليد والطقوس والأهازيج، ما يجعله مكونا أساسيا في هوية المملكة.


