تطلب إنشاء منصة طفلي مختفى رؤية ثاقبة، واتفاقا دوليا، وهندسة مسطرية دقيقة. ومنذ إطلاق هذه المنصة يوم 10 مارس 2023، أصبح المغرب أول دولة في المنطقة يستفيد من قوة انتشار ميتا للبحث عن الأطفال المختفين.
ولا يخفي العميد الإقليمي مصطفى حداوي، رئيس قسم الشرطة الحضرية بالمديرية العامة للأمن الوطني، فخره بهذا المشروع. وأكد قائلا: « يتعلق الأمر بقفزة نوعية في المجال الأمني ». قفزة تحققت بفضل تحالف بين القوة المؤسساتية للمديرية العامة للأمن الوطني والانتشار الواسع لميتا.
ولادة في ظل عقيدة أمنية وقائية
لم تظهر المنصة من فراغ، بل تندرج في إطار العقيدة الأمنية التي تبنتها المديرية العامة للأمن الوطني في السنوات الأخيرة، عقيدة تنتقل من مقاربة رد الفعل (التدخل بعد وقوع الحدث) إلى مقاربة وقائية قائمة على تحليل المعطيات، والنمذجة، وإشراك المواطنين. وأوضح المسؤول قائلا: «لدينا مجموعةٌ من المعطيات التي تحلل باستخدام مكونات علمية».
الخوارزميات، ومعرفة كيفية عمل المنصات الرقمية، والتحقيقات المتقاطعة مختلف الملفات...كلها أدوات مندمجةٌ في العمل اليومي للأجهزة الأمنية.
وفي هذا الإطار، وتماشيا مع التوجيهات الملكية بشأن التحديث الأمني، انخرط المدير العام للأمن الوطني، عبد اللطيف حموشي، في مفاوضات مع ميتا أفضت إلى التوقيع على اتفاق يوم 9 مارس 2023. وفي اليوم التالي للاتفاق، بدأ تفعيل المنصة.
واستندت الفرق المغربية في وضعها إلى نموذج عالمي: نظام منبه أمبر الكندي. لكن الاستلهام يتوقف عند هذا الحد.
وأوضح مصطفى حداوي: « استلهمنا من التجربة الكندية، التي كانت نموذجا عالميا، ولكن مع مراعاة خصوصية المجتمع والتشريع المغربي في هذا المجال ».
التبليغ مقتصر على الأولياء الشرعيين بدون استثناء
أول صمام أمان في هذه المنصة يتمثل في حصر الولوج إليها على الأب أو الأم أو الوصي القانوني أو الشخص المسؤول قانونا عن حضانة الطفل. لا يمكن لأي طرف ثالث القيام بالإجراءات.
وأكد مصطفى حداوي: «وضع المصممون مجموعة من الضمانات حتى تقع المسؤولية على عاتق الشخص المبلغ عن الاختفاء، والذي يجب أن تكون له الصفة».
يتوجه الولي إلى أقرب مركز شرطة لمكان الاختفاء، وليس بالضرورة المركز الذي يسكن فيه الطفل. الدقة أساسية، فقد يختفي الطفل أثناء عطلة، أو في مخيم، أو في رحلة مدرسية بعيدا عن منزل العائلة. وأكد محاورنا أن المسطرة تتبع الاختفاء، وليس العنوان.
في عين المكان، يتم كتابة محضر (يتضمن صورة حديثة وواضحة للطفل، ووصفا دقيقا لملابسه، وموقع وظروف اختفائه، بالإضافة إلى أي سمات مميزة قد تساعد في التعرف عليه).
ويشترط عنصر إضافي لا يقبل المساومة: وهو تصريح كتابي صريح من الولي يجيز نشر الإعلان على وسائل التواصل الاجتماعي. وقال رئيس قسم الشرطة الحضرية بالمديرية العامة للأمن الوطني: «بعض العائلات لا ترغب في نشر خبر الاختفاء. ولذلك، يجب التنصيص كتابة على هذه الموافقة في المحضر الرسمي».
فور تلقي التبليغ، يعمد ضابط الشرطة إلى إصدار تنبيه لاسلكي لجميع الدوريات الراجلة والآلية في المدينة. ويتم إبلاغ نقاط الولوج إلى المدينة. وتقام حواجز طرق للمراقبة. كما يتم إخطار المؤسسات الاستشفائية.
وفي الوقت نفسه، تطلب تسجيلات كاميرات المراقبة القريبة من موقع الاختفاء ويتم تحليلها. تدخل الشرطة القضائية على الخط منذ الساعات الأولى، حيث تقارن معطيات الملف مع التحقيقات الجارية الأخرى في قاعدة معطيات المديرية العامة للأمن الوطني. ويلخص مصطفى حداوي الأمر قائلا: «يتعلق الأمر بمجموعة من الإجراءات التي تنفذ فورا».
وحدة مركزية للتصديق قبل النشر على منصة ميتا لضمان الالتزام التام بالمساطر المعمول بها
بين مركز الشرطة والنشر على ميتا توجد حلقة وصل أساسية: وحدة مركزية لمعالجة الملفات. تنسق هذه الوحدة مع مديرية نظم المعلومات والاتصالات وإدارة الشرطة القضائية، وتتحقق من صفة المبلغ، وتفحص اكتمال الملف، وتصادق على النشر. والهدف واضح: تقليص المدة بين تقديم التبليغ و نشره على شبكة التواصل الاجتماعي.
وبمجرد المصادقة عليه، ينشر إعلان الاختفاء على ميتا. وتمكن مشاركة المستخدمين للإعلان بانتشاره خارج الحدود المغربية، مما يوسع نطاق البحث بشكل طبيعي.
ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن هذا النشر الرقمي لا يحل محل المسطرة التقليدية المتمثلة في تعميم إعلان الاختفاء في جميع أنحاء البلاد. يعمل النظامان بشكل متوازي.
بعد ثلاث سنوات من إطلاقها، تظهر المنصة نتائج تعتبرها المديرية العامة للأمن الوطني ذات أهمية بالغة. مع ذلك، أثار مصطفى حداوي نقطة منهجية: فالأولياء الشرعيون غير ملزمين قانونا بإبلاغ مصالح الشرطة عند العثور على الطفل.
وبالتالي، لا توثق بعض الحالات التي تم حلها إلا بفضل المتابعة الاستباقية التي تقوم بها فرق المديرية العامة للأمن الوطني، والتي تتواصل مع العائلات وتجمع المعلومات من مختلف الأجهزة.
إن ملفات الأشخاص المختفين التي تتعامل معها المنصة بعيدة كل البعد عن التصورات الدرامية. ففي الغالبية العظمى من الحالات، يتعلق الأمر بقاصرين تائهين في الأماكن العمومية، أو مراهقين هاربين بسبب توترات عائلية أو ضغوط دراسية خلال فترة الامتحانات، أو قاصرين يمرون بظروف شخصية صعبة.
ويستشهد محاورنا، على وجه الخصوص، بحالة فتاة مراهقة من تطوان، أُبلغ عن فقدانها في البداية، ثم اتخذت قضيتها منحى مختلفا تماما بعد التحقيق. وأكد قائلا: «البعد الجنائي لا يوجد في جميع الحالات التي نتعامل معها تقريبا».
الشائعات والأخبار الكاذبة: متابعات جارية
يعد انتشار المعلومات المضللة حول الأطفال المختفين عبر الإنترنت ظاهرة تكافحها المديرية العامة للأمن الوطني بقوة وبلا هوادة. وتلاحظ الأجهزة الأمنية ارتفاعات موسمية متكررة، لا سيما خلال شهر رمضان، حيث يكون الرأي العام أكثر تقبلا نفسيا للأخبار المثيرة للقلق، وكذلك خلال فترات الامتحانات المدرسية، التي تشجع المراهقين المعرضين للضغوط على الهروب من منازلهم، وما يتبع ذلك من انتشار شائعات لا أساس لها من الصحة.
تنتشر على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي إعلانات غير رسمية عن أشخاص مفقودين، وادعاءات اختطاف، ومعلومات ملفقة أو مضخمة عمدا، مما يثير الذعر في الأسر التي تكون في وضعية صعبة ويعيق التحقيقات الجارية. وتأسف مصطفى حداوي قائلا: «إنهم يبثون الرعب في الأسرة». وفي بعض الأحيان، تكشف التحقيقات عن أياد خفية وراء نشر هذه الشائعات والأخبار الكاذبة.
وأمام هذه التجاوزات، لا تكتفي المديرية العامة للأمن الوطني بالنفي، بل تباشر المتابعات القانونية. وأكد رئيس قسم الشرطة الحضرية بالمديرية العامة للأمن الوطني: «لا يمكننا السماح بالمس بسمعة المؤسسة الأمنية أو سمعة الأسر».
واختتم قائلا: «لا تتواصل المديرية العامة بشأن هذه القضايا إلا من خلال بيانات رسمية، مع الالتزام التام بسرية التحقيق، وخصوصية الأسر، وحماية المعطيات الشخصية».
