المغربي يستهلك 1250 خبزة سنويا.. لكن ما القيمة الغذائية للخبز الذي يأكله المغاربة؟

المغربي يستهلك 1250 خبزة سنويا

في 23/11/2025 على الساعة 07:00

يحظى الخبز بمكانة استثنائية لدى المغاربة، فهو لا يزال يمثل «رمزا للنعمة» وجزءا أساسيا من الذاكرة الجماعية. لكن هذا الارتباط الثقافي العميق، الذي دفع المغرب لتصدر الدول العربية في استهلاك الخبز بـ1250 للفرد سنويا يفتح تساؤلات ملحة حول القيمة الغذائية لهذه المادة. ففي ظل هذا الإفراط في الاستهلاك الذي يضع المغاربة في المقدمة عربياً، يبرز التساؤل: ما هي القيمة الفعلية لهذه المادة التي يستهلكونها أكثر من غيرهم من مواطني الدول العربية؟ وهل يتوافق هذا الحضور الطاغي لـ«الخبز الأبيض» الرائج، مع الهواجس الصحية المتزايدة المرتبطة بالسمنة وأمراض العصر؟ هذا المقال يغوص في آراء أخصائيي التغذية وخبراء حماية المستهلك، قبل استكشاف الجذور التاريخية والذاكرة الثقافية التي صنعت لقمة الخبز في المغرب هذه المكانة «المقدسة».

يحتل الخبز مكانة استثنائية لدى المغاربة، فهو ليس مجرد غذاء بل «رمز للنعمة» و«قيمة أخلاقية»، مما جعله جزءا ثابتا وأساسيا من أغلب الوجبات اليومية.

يحتل الخبز مكانة استثنائية لدى المغاربة، تصل إلى مستوى من «الاحترام» يشبه «القداسة». فلا يلقى مع النفايات، وإن صودف في الطريق يُلتقط ويُقبل ثم يوضع في مكان آمن، باعتباره «رمزا للنعمة». هذا الارتباط الوجداني العميق جعل الخبز جزءا ثابتا من أغلب الوجبات اليومية، وعادة غذائية مترسخة عبر الأجيال.

غير أن هذا الحضور الطاغي يدفع كثيرين إلى استهلاكه بكميات تفوق حاجتهم الفعلية، مما يساهم، بشكل مباشر، في ارتفاع معدلات السمنة والمشاكل الصحية المرتبطة بالإفراط في تناول النشويات.

وتشير بعض الإحصائيات إلى أن المغربي يستهلك 1250 خبزة في السنة، وهو أعلى رقم مسجل في شمال إفريقيا، لكن المفارقة أنه يتم هدر حوالي ثلث إجمالي الاستهلاك السنوي للخبز (30 مليون رغيف يوميا).

القيمة الغذائية: «الخبز الأبيض» ضعيف الألياف ومهدد للصحة

ما يزال الخبز يشكل أحد الأعمدة الأساسية في النظام الغذائي المغربي، ويتم استهلاكه بكميات مرتفعة يوميا، خصوصا «الخبز الأبيض» الرائج بسعر درهم واحد.

وفي هذا الصدد، تؤكد أسماء زريول، الأخصائية في التغذية، أن «الخبز الأبيض»، رغم انتشاره الواسع، يتميز بـ«ضعف القيمة الغذائية» لأنه يفقد الألياف أثناء الطحن، مما يجعله مجرد مصدر للطاقة دون عناصر مغذية.

وأوضحت المتحدثة في تصريحات لموقع Le360، أن غياب الألياف يجعل الخبز أقل قدرة على توفير الإحساس بالشبع، وهو ما يدفع الكثير من المغاربة إلى استهلاكه بكميات كبيرة، الأمر الذي ينعكس سلبا على الصحة، عبر زيادة الوزن، وانتشار أمراض السمنة، إضافة إلى ارتفاع مستوى السكر في الدم لدى الأشخاص المصابين بالسكري بسبب سرعة امتصاصه.

وبخصوص القيمة الغذائية للخبز المتداول في المغرب، أشارت الأخصائية إلى أن ذلك يتغير حسب نوعية الدقيق وطريقة التحضير، موضحة أن بعض الأسر تعتمد الدقيق الكامل أو دقيق الشعير، ما يرفع محتوى الألياف ويحسن القيمة الغذائية، مقارنة بالخبز الأبيض الشائع.

وحول فكرة استبدال الخبز بمواد أخرى، شددت زريول على أن الهدف ليس التخلي عن الخبز، لأنه جزء راسخ في المطبخ والعادات المغربية، ومن الصعب تغييره، مضيفة أن الحل يكمن في « تحسين جودة الخبز ومكوناته » وليس في اقتراح بدائل غير واقعية أو مكلفة ماديا كما يروج على وسائل التواصل الاجتماعي.

وبالنسبة لإشكالية إهدار الخبز، أكدت المتحدثة أنها “إحدى أكبر الظواهر المرتبطة بالخبز في المغرب”، حيث تلجأ العديد من الأسر إلى شراء كميات تفوق حاجتها، بدافع « العادة»، ما يؤدي إلى تبذير كبير. ودعت إلى تعزيز الوعي بترشيد الشراء والاستهلاك، مع اعتماد الكمية المناسبة فقط.

وأضافت الأخصائية، أن من بين الحلول العملية لتفادي التبذير، تجميد الخبز في المجمد، معتبرة أنها «طريقة صحية تحافظ على جودة الخبز، وتزيد من محتواه من النشا المقاوم بعد إعادة التسخين»، وهو نوع من النشا المفيد الذي لا يرفع نسبة السكر في الدم ويساعد على تحسين الهضم.

وختمت أسماء زريول تصريحاتها، بالتأكيد على أن الخبز يمكن أن يظل جزءا متوازنا وصحيا داخل النظام الغذائي المغربي، « شرط اختيار الأنواع الجيدة، وتحسين طرق التحضير، وتفادي الإفراط والتبذير لضمان نمط غذائي أكثر صحة واستدامة ».

حماية المستهلك: دعم الدولة يغذي الفوضى

في السياق ذاته، قال بوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحماية المستهلك، إن المواطن المغربي يستهلك من الخبز في المتوسط 1,5 خبزة يوميا وهو ما يجعل المغرب « الأكثر استهلاكا للخبز في شمال إفريقيا ».

وأضاف الخراطي، في تصريحات لموقع Le360، أن هذا الاستهلاك المرتفع ترافقه « ظاهرة خطيرة » تتمثل في الهدر الكبير للخبز، وهو ما ينعكس مباشرة على ارتفاع استراد الحبوب، لاسيما القمح.

وأضاف، أن انتشار المخابز العصرية والتقليدية وغير المهيكلة، خلق قطاعا « شبه فوضوي » لا يخضع في أغلبه لأي مراقبة صارمة خلال مراحل الإنتاج والنقل والبيع، وهو ما يزيد من حجم الهدر.

واعتبر المصدر ذاته، أن الخبز الذي يعرض حاليا في المحلات « سريع التعفن » بسبب تكاثر الفطريات، بخلاف الخبز الذي كان يعد في البيوت سابقا بجودة أفضل ومدة صلاحية أطول، مضيفا أن استعمال هذا الخبز المتعفن كعلف للحيوانات قد يؤدي إلى تسرب سموم فطرية خطيرة إلى الإنسان، وقد تسبب « تسمما في الكبد ».

وفي ما يتعلق بدعم الدولة للحبوب، قال المصدر ذاته، إن القمح اللين هو أساس الدقيق المدعم، غير أن «هذا الدعم لا يصل فعليا إلى الطبقات الهشة»، بل ساهم على حد تعبيره في تفشي المخابز العشوائية وانتشار الريع.

وأضاف أن الجامعة المغربية لحقوق المستهلك سبق أن طالبت «برفع الدعم عن الدقيق وتوجيهه مباشرة إلى من يستحقه»، باعتبار أن الدعم بصيغته الحالية «جزء من المشكلة وليس حلا».

وحول سبب عدم تطبيق قانون تجريم هدر الطعام، قال المتحدث إن «التجريم وحده غير كافٍ ولا يعطي نتائج إيجابية»، مضيفا أن المستهلك «غير واع بخطورة الهدر»، وأن الحل يبدأ بالتوعية والتربية الغذائية ثم « تجفيف منابع الريع عبر إصلاح منظومة الدعم».

وختم بوعزة الخراطي تصريحاته بالقول إن كل قطاع مدعم «عُرضة للانفلات والريع»، مؤكدا أن إصلاح السياسة الداعمة وتغيير سلوك المستهلك هما المدخل الحقيقي للحد من هدر الخبز.

الخبز في الثقافة المغربية: «رمز النعمة» وذاكرة «عام البون»

يقول المفكر والكاتب المغربي سعيد ناشيد، أنه عند التفكير في إمكانية استغناء المغاربة عن الخبز، يجب أن ندرك أن الأمر يتجاوز مجرد التخلي عن نوع من الطعام، بل يتعلق بتغيير نمط ثقافي عميق الجذور، مرتبط بالرمز والتاريخ والذاكرة الجماعية. ويرى أن الاستغناء عن الخبز يبقى شبه مستحيل عمليا، ليس فقط لتوفره وسهولة إضافته إلى مختلف الوجبات، ولكن أيضا بسبب الارتباط الوجداني القوي الذي يحمله المغاربة تجاهه.

ويضيف ناشيد في تصريح لموقع Le360، أن هذا الارتباط القوي بالخبز، يقرأ في مستويين متداخلين. فمن جهة، يشكل الخبز غذاء أساسيا بسيطا ومشبعا، سهل التخزين والتداول، ويمنح الطاقة الضرورية لأعمال الفلاحة والحرف والبناء، ما جعله عنصر استقرار غذائي عبر التاريخ.

ومن جهة ثانية، يرى المتحدث، أن الخبز يتمتع بمكانة رمزية عالية في الثقافة المغربية، إذ يعامل باحترام كبير: لا يرمى على الأرض، وتقبل لقمة الخبز إذا سقطت، تعبيرا عن التقدير والامتنان. فالخبز، في الوعي الجمعي، ليس طعاما فقط، بل « قيمة أخلاقية » و «رمزا للنعمة والبركة والرزق».

وأشار إلى أن هذا الارتباط العميق بالخبز ينعكس أيضا في الأمثال الشعبية، مثل « طرف الخبز صعيب » و « خبيزة جابها الله »، التي تبرز المسؤولية الكبيرة والأهمية الأخلاقية والاجتماعية المرتبطة بهذا الغذاء الأساسي.

وبخصوص ما إذا كان هذا « التقديس » مرتبطا « بأحداث الجوع » التي عرفها المغرب خلال عام 1944، أو ما يعرف « بعام البون »، أكد ناشيد، أن تلك التجربة القاسية شكلت إحدى أعمق الصدمات الغذائية في تاريخ المغرب الحديث، مشيرا إلى أن سلطات الحماية فرضت آنذاك نظام « البون » أي بطائق الحصص الغذائية، وانتشر الجوع في المدن والبوادي، ما خلف أثرا نفسيا امتد لسنوات طويلة.

وأضاف، أن تلك المرحلة ولدت لدى المغاربة نوعا من « الخوف الغذائي »، وأنتجت ذاكرة جماعية قائمة على هاجس الندرة، الأمر الذي رسخ قيمة الخبز كرمز للنجاة والأمان، مشيرا إلى أنه مع مرور الوقت تحول هذا الخوف إلى عادة ثقافية تعامل الخبز بوصفه جزءا من « الستر »، وإحدى العلامات الأساسية للبركة داخل البيوت المغربية.

وختم سعيد ناشيد تصريحاته بالقول، إن احترام الخبز اليوم ليس مجرد تقليد، بل هو امتداد لأرشيف كامل من الذاكرة المغربية: ذاكرة الفلاحين والطبقات الفقيرة، ونساء الفجر اللواتي كن يخبزن في البيوت، والناس الذين عاشوا قسوة الجوع خلال « عام البون ». ولذلك يبقى الخبز، في نظره، طعاما محملا بالتاريخ، لا مجرد مادة نشوية على موائد المغاربة.

تحرير من طرف حمزة الضيفي / صحفي متدرب
في 23/11/2025 على الساعة 07:00