واعتبر المسؤول البرلماني أن العدالة الاجتماعية لم تعد خيارا سياسيا أو مطلبا ظرفيا، بل أضحت شرطا وجوديا لاستقرار الدول وتماسك المجتمعات، وقدرتها على الصمود، في عالم يتسم بتسارع التحولات وتنامي الأزمات، مضيفا في كلمته التي اتسمت بالعمق والتأطير الاستراتيجي، أن زخم هذا المنتدى يعكس المكانة التي بات يحتلها كفضاء مؤسساتي منتظم للتفكير المشترك، وتبادل الخبرات حول أحد أبرز رهانات المرحلة الراهنة.
وأكد ولد الرشيد أن خلاصات وتوصيات المنتدى أبرزت بوضوح أن العدالة الاجتماعية لم تعد شعارا مرحليا فقط، بل تحولت إلى ركيزة أساسية للاستقرار والتنمية، وأساس لتقوية التماسك الاجتماعي، وتعزيز قدرة المجتمعات على مواجهة الصدمات، مبرزا أن المحاور الموضوعاتية التي عالجها المنتدى، من التحولات العالمية، إلى قضايا الإنصاف والحماية الاجتماعية، وصولا إلى الحكامة البرلمانية، كشفت عن الترابط العميق بين هذه الأبعاد، في بناء مجتمعات أكثر عدلا وصمودا.
وشدد رئيس مجلس المستشارين على أن العدالة الاجتماعية ليست نقطة وصول نهائية، بل مسار دائم ومتجدد من الإصلاح والتعلم والتصحيح، يقتضي حسب تعبيره، يقظة مستمرة، وقدرة دائمة على التكيف مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية والمناخية المتسارعة، معتبرا أن جوهر هذا المسار يتمثل في كون العدالة الاجتماعية بوصلة أخلاقية وسياسية، ينبغي أن تنعكس يوميا في اختيارات وسياسات عمومية ملموسة، كما تشكل أفقا حضاريا لرسم ملامح المجتمع القائم على الإنصاف والكرامة وتكافؤ الفرص.
وسجل ولد الرشيد أن القيمة المضافة الأساسية لهذه الدورة تكمن في كونها لم تكتف بتشخيص الاختلالات، بل تحولت إلى فضاء حقيقي لتلاقح الأفكار، وتبادل الرؤى ومساءلة السياسات العمومية، واختبار القدرة الجماعية على ابتكار بدائل منصفة، تستجيب لتعقيدات السياق العالمي المتحول، مبرزا في سياق متصل، أن مفهوم الصمود الاجتماعي ذاته أصبح في حاجة إلى إعادة نظر، في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية والمناخية المتسارعة، التي تفرض حماية الفئات الهشة والمجالات الأكثر عرضة للصدمات.
وأوضح المسؤول نفسه، أن تعزيز الصمود لا يرتبط فقط بجودة السياسات الوطنية، بل يتأثر أيضا بعوامل هيكلية عابرة للحدود، مما يستدعي اعتماد سياسات استباقية، وتقوية القدرات المؤسساتية، وتطوير آليات اليقظة المبكرة، وترسيخ ثقافة التكيف والمرونة الاستراتيجية، مؤكدا أن العدالة الاجتماعية لا ينبغي أن تقتصر على تصحيح الاختلالات الموروثة أو استدراك العجوزات التاريخية، بل يتعين أن تتجه نحو إعادة توزيع منصف للفرص والموارد والقدرات، حتى لا يتحول مكان الميلاد أو الأصل الاجتماعي إلى قدر يحدد مصير الأفراد والجماعات.
وفي الإطار ذاته، أبرز ولد الرشيد أن العدالة الاجتماعية في معناها الملموس هي التي تضمن، في البادية والمدينة، وفي المركز والهامش، تعليما جيدا، وعملا لائقا، وولوجا منصفا إلى الخدمات والبنيات الأساسية، ومشاركة فعالة، وعيشا كريما، مشيرا وفي انسجام مع هذا التصور، إلى تقاطع الرؤية الوطنية مع خلاصات القمة الاجتماعية العالمية الثانية، التي شددت على أولوية الحماية الاجتماعية الشاملة، باعتبارها حقا إنسانيا، وعلى ضرورة تقليص الفجوات الاجتماعية والمجالية، عبر سياسات عمومية منصفة ومندمجة، وتعزيز الاستثمار في الإنسان لبناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود أمام الصدمات الاقتصادية والمناخية والتكنولوجية.
في المقابل، شدد رئيس مجلس المستشارين على أن تنزيل هذه المبادئ لا يظل مسؤولية الحكومات وحدها، بل يضع المؤسسة البرلمانية في قلب هذا الورش، من خلال دورها المحوري في تحويل السياسات الاجتماعية إلى واقع ملموس، عبر تشريع ذي جودة، ورقابة يقظة، وتقييم مستقل لأثر السياسات العمومية ووقعها الفعلي، معبرا في ختام كلمته، عن بالغ شكره وتقديره لجميع المتدخلين، من مسؤولين حكوميين وبرلمانيين وخبراء وأكاديميين وممثلي المؤسسات الوطنية والمنظمات الدولية، ومنوها بالشراكة البناءة مع المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، مؤكدا أن رهان العدالة الاجتماعية يظل رهانا جماعيا لا يمكن كسبه إلا بالحوار المسؤول، وتبادل الخبرات وتعزيز العمل المؤسساتي المشترك، ومتطلعا إلى أن تشكل مخرجات هذه الدورة لبنة إضافية في مسار بناء مجتمع أكثر تماسكا وصمودا، كما يطمح إلى ذلك جلالة الملك محمد السادس.



