الانتقال من الأروقة الأممية التقليدية في نيويورك إلى رعاية أمريكية مباشرة، يعكس بوضوح تحول مركز الثقل في هذا الملف. لم تعد الأمم المتحدة هي الفاعل الحصري في إدارة المسار، بل أصبحت جزءا من دينامية أوسع تقودها واشنطن، مستندة إلى قناعة مفادها أن النزاعات المزمنة في مناطق الهشاشة الجيوسياسية لم تعد قابلة للاستدامة في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة.
في هذا الإطار، جاء لقاء مدريد ليؤكد أن المقاربة الجديدة لا تقوم على إعادة تدوير الصيغ القديمة، بل على الدفع نحو حل سياسي محدد المعالم، قاعدته مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
تبرز أهمية هذا التحول أيضا في طبيعة الأطراف الحاضرة، فجلوس المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو حول طاولة واحدة، وتحت إشراف أمريكي مباشر، أنهى عمليا مرحلة الغموض التي طبعت موقع بعض الأطراف داخل النزاع، وعلى رأسها الجزائر، التي ظلت لسنوات تتهرب من تحمل مسؤوليتها المباشرة، وتقدم نفسها كطرف غير معني يكتفي بـ«دعم مبدئي» قائم على خطاب «الدفاع عن حق تقرير المصير»، في حين تؤكد الوقائع تورطها المباشر عبر توفير التراب والتمويل والدعم العسكري والحماية السياسية لتنظيم البوليساريو.
«يجد البوليساريو نفسه اليوم في وضعية أكثر تعقيدا مما كانت عليه في السابق، ليس فقط بسبب تراجع أطروحته السياسية، بل أيضا بسبب إدراجه ضمن قراءات أمنية جديدة باتت تنظر إلى مساره، وخياراته العسكرية، وخرقه لوقف إطلاق النار بعد سنة 2020، باعتبارها عناصر تثير إشكالات تتجاوز الإطار السياسي التقليدي»
— محمد بنطلحة الدكالي
لقد انتقل النقاش من مستوى المواقف العامة والخطابات المبدئية إلى مستوى البحث في آليات التسوية والتنزيل العملي. يعزز هذا المنحى ما يتداول بشأن وجود وثيقة تقنية مغربية مفصلة، لم تعد تكتفي بتقديم تصور سياسي عام، بل تقترح هندسة مؤسساتية وإدارية وقضائية وأمنية متكاملة لنظام الحكم الذاتي، بما يجعل النقاش يدور حول كيفية تنفيذ الحل، لا حول جدوى اعتماده.
هذا المسار التفاوضي لا يمكن فصله عن التحولات الجيوسياسية الأوسع التي أعادت تشكيل الحسابات الدولية المرتبطة بالنزاع لأن البيئة الإقليمية التي تحيط بالملف تشهد منذ سنوات تصاعدا في منسوب التهديدات الأمنية، واتساع رقعة عدم الاستقرار في الساحل والصحراء، وعودة منطق الصراعات غير المتناظرة، ما جعل القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، تعيد النظر في كيفية التعامل مع النزاعات المفتوحة التي تنتج مناطق رمادية أمنيا.
في هذا السياق، يجد البوليساريو نفسه اليوم في وضعية أكثر تعقيدا مما كانت عليه في السابق، ليس فقط بسبب تراجع أطروحته السياسية، بل أيضا بسبب إدراجه ضمن قراءات أمنية جديدة باتت تنظر إلى مساره، وخياراته العسكرية، وخرقه لوقف إطلاق النار بعد سنة 2020، باعتبارها عناصر تثير إشكالات تتجاوز الإطار السياسي التقليدي.
لقد ترجم هذا التحول بوضوح داخل الكونغرس الأمريكي من خلال مشروع قانون Polisario Front Terrorist Designation Act (H.R.4119)، الذي تقدم به نائبان من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، هما جو ويلسون (Joe Wilson) وجيمي بانيتا (Jimmy Panetta)، في دلالة واضحة على الطابع العابر للحزبين لهذه المبادرة (Bipartisanship).
وفي النظام السياسي الأمريكي، لا يعد هذا التفصيل شكليا، إذ إن التوافق الحزبي في القضايا المرتبطة بالأمن القومي يعني انتقال الملف من نقاش سياسي ظرفي إلى مستوى معالجة مؤسساتية طويلة الأمد.
وقد تعزز هذا المسار لاحقا بإعلان السيناتور الأمريكي تيد كروز (Ted Cruz) أن مشروعا مماثلا جاهزا للإيداع في مجلس الشيوخ، ما يؤكد أن الموضوع لم يعد هامشيا، بل أصبح جزءا من مسار تشريعي متكامل، أما العناصر التي يستند إليها هذا التوجه، فهي تطرح بكثافة في النقاشات الأمريكية، من خرق وقف إطلاق النار، إلى الانخراط في أعمال تساهم في زعزعة الاستقرار الإقليمي، مرورا بالاشتباه في علاقات واتصالات مع شبكات وتنظيمات مسلحة محظورة أو خاضعة للمراقبة في الولايات المتحدة، داخل فضاء إقليمي شديد الحساسية تتقاطع فيه مسارات التهريب والجماعات غير النظامية.
في هذا الإطار، لم يعد موقع الجزائر داخل هذه المعادلة قابلا للتحييد أو التجاوز، فالبوليساريو ليس كيانا مستقلا، بل امتداد تنظيمي يتحرك داخل فضاء ترابي وسيادي محدد هو مخيمات تندوف الواقعة فوق التراب الجزائري. هذا الارتباط، لم يعد معطى سياسي محايد، بل تحول إلى أساس للمساءلة، إذ إن أي تقييم أمني لتنظيم مسلح ينعكس مباشرة على الدولة التي تؤويه وتوفر له شروط الاستمرار، ما يضع الجزائر في قلب دائرة تدقيق متصاعد يعاد من خلالها تعريف دورها وفق مقاربات لا تفصل بين التنظيم والجهة التي تحتضنه وتدعمه.
وتزداد أهمية هذا المعطى حين يستحضر في سياق التوازنات الدولية الراهنة. فالتقاطع الأمريكي الأوروبي الداعم لمبادرة الحكم الذاتي، والتغير الذي طرأ على لغة القرارات الأممية الأخيرة، التي باتت تشير بوضوح إلى الواقعية السياسية وإلى أولوية الحلول القابلة للتطبيق، يضعف منطق الإبقاء على الوضع القائم. كما أن إعادة تقييم أدوار بعثة المينورسو، والنقاش المتزايد حول حدود فعاليتها بصيغتها التقليدية، يعزز الإحساس بأن المجتمع الدولي يتجه نحو إغلاق هذا الملف، لا نحو إعادة تدويره.
في ضوء كل ذلك، لا تبدو محادثات مدريد حدثا معزولا أو تكتيكيا، بل حلقة متقدمة ضمن مسار يعكس تضييقا متسارعا لهوامش المناورة. فالتغير في الحسابات الجيوسياسية، وتبدل المقاربات الأمنية، وتراجع البدائل غير الواقعية، كلها عوامل تلتقي لتؤشر على أن قضية الصحراء المغربية دخلت مرحلة جديدة، تقترب فيها لحظة التسوية النهائية.
إن المؤكد أن ما بعد مدريد لن يكون كما قبلها. فهذه المحطة أعادت ضبط إطار النزاع وحدود التعامل معه، ونقلت الملف من منطق التدبير المفتوح إلى منطق الحسم المرحلي. كما أن طبيعة الرعاية الدولية، والتحول في الخطاب الأممي، وإعادة تموضع بعض الأطراف، كلها مؤشرات على أن هامش المناورة تقلص بشكل ملموس، وأن الخيارات التي كانت تطرح سابقا لم تعد مطروحة بالوزن نفسه.
بعد مدريد، لم يعد ممكنا الاستمرار في إدارة الزمن بدل معالجة جوهر النزاع، ولا في التعايش مع صيغ تجاوزها السياق الدولي ومتطلبات الاستقرار الإقليمي.


