منصف المرزوقي: سياسة النظام الجزائري بشأن قضية الصحراء بلغت الطريق المسدود

الرئيس التونسي الأسبق منصف المرزوقي

في 29/11/2025 على الساعة 21:00

اعتبر الرئيس التونسي الأسبق منصف المرزوقي أن السياسة التي انتهجها النظام الجزائري تجاه قضية الصحراء المغربية وصلت إلى «طريق مسدود»، مشيرا إلى أن النظام الجزائري سيكون أمام خيارين: إما أن يغير سياسته في هذا الملف، أو سيتغير تحت ضغط الواقع ومتغيرات المرحلة. وشدد المرزوقي على أن موقف قيس سعيد من الخلاف المغربي الجزائري «لا يمثل التونسيين »، مؤكدا أن هذا «القوس سيغلق قريبا».

وأوضح المرزوقي خلال ندوة نظمها حزب جبهة القوى الديمقراطية، الجمعة 28 نونبر بالرباط، تحت عنوان «أي آفاق لعودة مشروع الاتحاد المغاربي»، أن الوقت والجهد الكبيرين اللذين سخرهما النظام الجزائري في دعم وتمويل جبهة « البوليساريو »، لو تم توجيههما إلى تطوير قطاعات حيوية كالصحة والتعليم، لكانا عادا بالنفع المباشر على الشعب الجزائري.

انهيار سردية النظام الجزائري

وشدد المتحدث على أن القرار الأخير الصادر عن مجلس الأمن بشأن الصحراء المغربية يمثل في نظره، انهيارا للسردية التي دأب النظام الجزائري على الترويج لها لسنوات، مضيفا أن الدبلوماسية المغربية أظهرت مزيجا من الحنكة والمهنية عقب القرار.

وأشار إلى أن الخطاب القائم على وجود طرفين فقط في النزاع، هما المغرب والبوليساريو، أصبح متجاوزا، بعدما بات موقف مجلس الأمن أكثر وضوحا في اعتبار الجزائر طرفا في الصراع.

وأضاف المرزوقي أن الوقت « قد حان لكي تتوقف الجزائر عن استغباء الرأي العام »، على حد تعبيره، مشيرا إلى أن الجميع يدرك دورها المركزي في دعم جبهة «البوليساريو» وتمويلها وتوفير الغطاء السياسي لها.

وشدد على أن الخيار الذي سلكته الجزائر في هذا الملف لم يفض إلى أي نتيجة سوى «المستنقع السياسي»، مشيرا إلى أن أول من دفع ثمن هذه السياسة هم الصحراويون أنفسهم.

وقال الرئيس التونسي الأسبق، إنه يفكر دائما في « هؤلاء المساكين في تندوف »، الذين يعيشون وفق تعبيره « كرهائن »، بعدما أمضوا سنوات طويلة داخل المخيمات دون أن يتغير شيء في واقعهم أو يفتح أمامهم أي أفق لمستقبل واضح.

وأكد أن الجزائر ما زالت تروج لفكرة إنشاء « دولة صحراوية »، رغم علمها بأن ذلك غير قابل للتحقق، مضيفا أن هذا النهج استنزف الكثير من الوقت والجهد دون أن يفضي إلى أي نتائج تذكر.

وأضاف المتحدث، أنه يكرر دائما أن « رجل السياسة يفعل ما يجب، لا ما يحب »، مبرزا أن الحاكم حين يبدأ في تنفيذ ما يرغب فيه شخصيا بدل ما تفرضه المصلحة العامة، فإنه ينتقل حسب تعبيره من منطق العمل السياسي إلى منطق « لعب الأطفال ».

وأوضح أن بعض الجزائريين يتهمونه بأنه « يميل إلى المغرب »، مشددا على أن ذلك لا يعني أنه ضدهم، وأن محبته للشعب الجزائري لا تقل عن محبته للمغاربة، معتبرا هذا الشعور « أمرا طبيعيا ».

وأكد المرزوقي أن النظام الجزائري « لا يمثل الشعب الجزائري »، مبرزا أن حديثه بهذا الخطاب نابع من محبة صادقة للجزائر، لا من موقع الخصومة أو العداء. وأكد أنه حريص على إيصال هذه الرسالة إلى « الإخوة في الجزائر »، حتى يدركوا أن انتقاداته موجهة للنظام وسياساته، وليس للشعب الجزائري.

موقف قيس سعيد لا يمثل التونسيين

ويرى المتحدث، أن النزاع حول الصحراء المغربية لم يقتصر ضرره على المغرب والجزائر فقط، بل دفع ثمنه أيضا التونسيون والليبيون والموريتانيون، مضيفا أن شعوب المنطقة كانت في أمس الحاجة إلى فضاء مغاربي موحد يسهل التكامل والتعاون بينها، مؤكدا أن هذا الصراع عطل مشروع الاتحاد المغاربي وأضر بمصالح الجميع، قائلا إن «الجميع دفع الثمن في النهاية».

وأشار إلى أن تونس في عهد جميع رؤسائها باستثناء قيس سعيد، كانت دائما ضد تأجيج الخلاف بين المغرب والجزائر، وحرصت على تقريب وجهات النظر بين البلدين، مضيفا أنه رغم الاختلافات الكبيرة بين الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم تونس، فقد كان هناك إجماع ثابت على أن تونس لن تكون طرفا في الصراع، بل جزءا من الحل والمصالحة.

واعتبر أن موقف قيس سعيد من الخلاف المغربي الجزائري « لا يمثل التونسيين »، مؤكدا أن هذا « القوس سيغلق قريبا »، وأن تونس ستعود إلى سياستها الطبيعية القائمة على الحياد الإيجابي، لأن مصلحتها العليا تكمن في دعم الوحدة لا التفرقة.

الجزائر أفشلت فكرة اتحاد مغاربي موحد

وجدد المرزوقي التأكيد على أن سكان مخيمات تندوف أمام ثلاث خيارات ممكنة، أولها «الوطن الصغير» المتمثل في مقترح الحكم الذاتي الذي يقدمه المغرب، وثانيها « الوطن الواسع» وهو الانتماء الكامل إلى المملكة المغربية، أما الخيار الثالث فهو «الوطن الأكبر» الذي يرى أنه سيتحقق عند انتهاء هذه المأساة، ويجسده قيام اتحاد مغاربي موحد ومتكامل يضم دول المنطقة في فضاء مشترك.

كما جدد دعوته برلمانات دول المغرب العربي إلى المبادرة بطرح مشاريع قوانين تضمن للمواطنين في البلدان الخمس التمتع بالحريات الخمس، وهي: حرية التنقل، وحرية الاستقرار، وحق التملك، وحق العمل، وحق المشاركة في الانتخابات البلدية، معتبرا أن هذه الخطوات كفيلة بفتح الطريق نحو اندماج مغاربي حقيقي.

وأوضح المصدر ذاته أن فكرة الحريات الخمس من أجل اتحاد مغاربي، قدمت لكل من الملك محمد السادس والرئيس الجزائري الأسبق عبد العزيز بوتفليقة، ورؤساء ليبيا وموريتانيا، حيث لقيت قبول الجميع، إلا أن الجزائر رفضت الفكرة ما أدى إلى فشل التجربة.

لن أنسى فضلك الملك محمد السادس

واستحضر المرزوقي ذكرى خاصة لتوضيح طبيعة العلاقة الوجدانية التي ربطته بالملك محمد السادس لسنوات.

وأوضح أن زيارة الملك إلى تونس عام 2014 جاءت في خضم أزمة سياسية خانقة أعقبت اغتيال الناشطين السياسيين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وهي زيارة أثارت حينها جدلا واسعا وأطلقت شائعات عن وجود خصومة بين الجانبين، بلغ حد القول إن «الملك غادر تونس غاضبا».

وكشف المرزوقي أن الملك المغربي رد على تلك الإشاعات بإطالة مدة إقامته في تونس إلى عشرة أيام، في رسالة واضحة لطمأنة الرأي العام.

وأضاف أنه تلقى تقارير من وزارة الداخلية تفيد بأن الملك يتجول من دون حراسة في شارعي الحبيب بورقيبة ومحمد الخامس وسط العاصمة، وهو ما أثار دهشته إلى حد أنه قال: «كدت أُصاب بجلطة».

ووصف منصف المرزوقي خطوة الملك بأنها كانت تهدف إلى تأكيد أن تونس آمنة ومستقرة، معتبرا إياه « رجلا شجاعا »، ومؤكدا أن وقوفه إلى جانبه في أصعب اللحظات سيظل «فضلا لا ينسى».

تحرير من طرف حمزة الضيفي / صحفي متدرب
في 29/11/2025 على الساعة 21:00