بالنسبة لحسن بنعدي، لا يمثل تكليف فاطمة الزهراء المنصوري برئاسة الحكومة محطة بارزة في مسار شخصية سياسية يعرفها منذ زمن طويل فحسب، بل يحمل أيضا صدى لقصة إنسانية ترتبط بأسرة عمدة مراكش السابقة؛ إذ كان يعرف والدها إبان عمله محاميا ومناضلا في صفوف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى جانب عبد الله إبراهيم.
ويبوح بنعدي خلال استضافته في برنامج «Grand Format» قائلا: «عندما تلقيت نبأ تعيينها، استحضرت ذكرى والدها الذي كنت أعرفه، وكذلك والدتها. إنني أعرف أسرتها بأكملها، لكن كل هذا يدخل في إطار المعرفة الشخصية ولا علاقة له بالسياسة».
وعقب الإعلان عن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري، بعث بنعدي إليها برسالة نصية مهنئا، لتبادر هي بالاتصال به هاتفيا في حديث غمرته المشاعر. ورغم حرصه على الفصل بين هذه العلاقة الإنسانية وتقديره السياسي، إلا أن هذا القرب يعزز فخره برؤية امرأة تتبوأ منصبا بهذه الأهمية والمسؤولية.
وقد تابع القيادي السابق في حزب الأصالة والمعاصرة التطور السياسي للمنصوري عن كثب، منذ انخراطها في «حركة لكل الديمقراطيين» وحتى تدرجها في صفوف الحزب. وبعد انتخابها عمدة لمدينة مراكش سنة 2009 في سن مبكرة، سطّرت محطة فارقة بصفتها أول امرأة ترأس مجلسا جماعيا في المغرب. ولاحقا، ترأست المجلس الوطني للحزب، قبل أن يُعهد إليها بمنصب المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية للحزب.
ويستحضر بنعدي هذا المسار دون إغفال الانتقادات التي رافقت توليها عمودية المدينة الحمراء، حيث علق قائلا: «حينما كانت عمدة، كانت هناك بطبيعة الحال انتقادات كثيرة، كما هو معتاد في تدبير كافة المدن، وذلك ينمّ عن وجود حرية للتعبير».
وبعيدا عن السجالات المرتبطة بتدبير الشأن المحلي، يركز الأمين العام الأسبق لـ «البام» على الأشواط التي قطعتها المنصوري حتى وصولها اليوم إلى رئاسة الحكومة. غير أن هذه المسؤولية الجديدة تقتضي، في نظره، تغييرا في حجم التحدي وأبعاده، سواء بالنسبة لها أو للهيئة السياسية التي تنتمي إليها.
وعندما تحدثت فاطمة الزهراء المنصوري عن ضرورة تشكيل «حكومة سياسية قوية» ترتكز أساسا على الكفاءة والنزاهة، رأى بنعدي في ذلك مؤشرا على مرحلة مفصلية في مسار الحزب، معلقا: «حين سمعت ذلك، قلت في نفسي إن حزب الأصالة والمعاصرة قد انتقل من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر». فبعد أن بنى الحزب نفسه كقوة سياسية تزن ثقلها في المشهد الحزبي، يجد نفسه اليوم أمام محك تدبير الشأن العام على المستوى الوطني.
وهو تحدٍ يكتسي أهمية بالغة، لا سيما أن المغرب يمر، وفق ما ورد في الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح البرلمان في 9 أكتوبر، بـ«ظرفية استثنائية، غنية بالفرص التي قد لا تتكرر». وبالتالي، يرى بنعدي أن المرحلة الراهنة تتطلب ما يتجاوز الطموحات الحزبية؛ إذ تستدعي خيارات دقيقة، وكفاءات مشهودا لها، وقدرة حقيقية على التجاوب مع تطلعات البلاد.
وينصب تركيز بنعدي بوجه خاص على مسألة تشكيل الحكومة المرتقبة؛ فإدراكا منه لكثرة الطامحين إلى نيل الحقائب الوزارية، ولتشابك المصالح التي يفرزها تشكيل الأغلبية، يدعو إلى تمكين رئيسة الحكومة المكلفة من هامش المناورة والحرية اللازمين لتشكيل فريقها.
ويشدد بالقول: «فليتركوها تختار وزراءها بنفسها»، معتبرا أن المفاضلات والاختيارات لا ينبغي أن تخضع لضغوط حزبية أو لطموحات شخصية.
ويأتي تقييمه للمنصوري في هذا السياق واضحا لا لبس فيه، حيث يضيف: «بالنسبة لي، لقد استوفت جميع الشروط والمعايير. وأتمنى لها كامل التوفيق»، مع إقراره بوجود جانب ذاتي يعود لمعرفته الشخصية بها.
وللتعبير عن حجم الثقة التي يضعها فيها، يستعين بنعدي باستعارة مفعمة بالسخرية: «إذا ركبت طائرة تقودها المنصوري، فإنني أربط حزامي وأنام مطمئن البال. لكن إن رأيت يصعد إلى جانبها أشخاص تحوم حولهم الشبهات، فسأفك الحزام وأنزل من الطائرة على الفور، حتى لو اضطررت لخوض «مسيرة كبرى» جديدة نحو بكين على خطى ماو تسي تونغ».
وبمعنى آخر، فإن الثقة الممنوحة لرئيسة الحكومة لا تعفيها من التحلي بيقظة شديدة في اختيار معاونيها؛ إذ يرى بنعدي أن معايير الكفاءة والاستقامة التي نادت بها بنفسها يجب أن تتجسد بشكل ملموس في تركيبة التشكيلة الحكومية.
وفي ختام اللقاء، وجه حسن بنعدي رسالة إلى فاطمة الزهراء المنصوري تلخص رؤيته للمسؤولية الملقاة على عاتقها، قائلا: «لدي ثقة تامة في قدرتها على اتخاذ القرارات اللازمة، غير أنه يتوجب عليها تحمل مسؤوليتها كاملة والتقرير بنفسها. من المهم الاستماع للجميع، لكن عند الحسم، عليها أن تحتكم لضميرها، وتقاوم الضغوط، وألا تدع أحدا يقرر بدلا عنها».
