خلف ما يُقدَّم باعتباره مهاما دبلوماسية تقوده بانتظام إلى أمريكا اللاتينية، يرى المحققون الأمريكيون شبكة تنسيق إرهابي لم تعد الإدارة الأمريكية قادرة على تجاهلها. التحقيق الذي فتحته واشنطن يستهدف صراحة قيادة البوليساريو، ويضع حمة سلامة علي سالم في مقدمة الشخصيات الأشد خطورة.
تعيينه الأخير في منصب «رئيس الأركان»، ثمرة إعادة هيكلة عسكرية جرت في مارس 2026، بدا فور الإعلان عنه في نظر وكالة CIA إشارة إنذار. أمسك الرجل طوال حياته بأزرار القوة العسكرية والأمنية للحركة الانفصالية، وكان كل صعود في مساره يرسّخ الطابع القمعي والمسلح للبوليساريو.
في هذا السياق يأخذ حمة سلامة بعدا مختلفا. إذ لا يستهدف النص حركة مجردة فحسب، بل يفتح الطريق أمام فحص سلاسل القيادة والشبكات الخارجية وشخصيات القرار والمنظومة اللوجستية. وحمة سلامة ليس إطارا هامشيا، بل يتربع في قمة الجهاز العسكري في اللحظة ذاتها التي يسعى فيها واشنطن إلى توثيق تعاون البوليساريو مع طهران.
إقرأ أيضا : زلزال في مخيمات تندوف.. صرخة الطفل مولود المحجوب وتمرد الناشط حيداد كدي يربكان حسابات البوليساريو
التقارير الداخلية التي يجمعها واشنطن عن حمة سلامة تستوفي هذه المعايير نقطة بنقطة: صلات مباشرة بالحرس الثوري الإيراني ولا سيما فيلق القدس، ودور محوري في قمع مخيمات تندوف، وسيطرة مطلقة على الجهاز الأمني.
يجعل منه التحقيق الجاري الخيط الرابط بين الماضي الدموي للبوليساريو وحاضره التشغيلي.
مساره يحكي منطق جهاز يعيد تدوير الرجال أنفسهم بين مهام الإشراف على المخيمات وقيادة التنظيم الداخلي والإمساك بالخط العسكري.
من عتيد الحرس القديم إلى رئيس أركان: صعود مجرم
ولد حمة سلامة نحو عام 1950 في العيون، وبدأ مساره العسكري في صفوف الحرس القديم للبوليساريو. في منتصف السبعينيات انخرط في الحركة الانفصالية وتسلق درجاتها حتى بلغ قيادة «المنطقة العسكرية الثالثة».
بعد وقف إطلاق النار عام 1991، شارك فاعلا في إعادة هيكلة الحركة داخليا. عام 1995، إثر المؤتمر التاسع، انضم إلى الأمانة الوطنية.
وصفه المراقبون وأجهزة الاستخبارات آنذاك بـ«رجل الداخل»، باعتباره أحد أقرب المقربين من محمد عبد العزيز، وكانت CIA تعدّه آنذاك الرجل الثاني في البوليساريو.
إقرأ أيضا : ما الذي تخفيه التغييرات الأخيرة على راس ميليشيات البوليساريو
ثم عُيِّن مطلع العقد الثاني من الألفية الثالثة على رأس «المنطقة العسكرية الثانية»، وفي مارس 2020 أصبح رئيسا للمجلس الوطني الصحراوي، وأعيد انتخابه عام 2023. أتاحت له هذه المناصب المتعاقبة الإمساك في آن واحد بأمن المخيمات الداخلي والميليشيات المسلحة العاملة في الصحراء والرافعات التشريعية.
هذا الصعود المتواصل بالذات هو ما يستند إليه واشنطن في قانون تصنيف الإرهاب. كل ترقية كرّست قبضته على جهاز لم يتجه نحو الديمقراطية بل نحو مزيد من العسكرة. التعيين الأخير في منصب رئيس الأركان يتوج هذا النفوذ المتراكم: الرجل الذي أدار الأمن العام للمخيمات يقود الآن «الجيش» الوهمي برمته.
في نظر المحققين الأمريكيين، لم يعد أمرهم مع زعيم ميليشيا من بين أخرى، بل مع المحور التشغيلي الذي يضمن الاستمرارية بين القمع الداخلي والتحالفات الخارجية.
سيد المخيمات: التعذيب والسجون السرية والإفلات من العقاب أدلة على الإرهاب
في مخيمات تندوف، جسّد حمة سلامة الوجه الأشد ظلاما للسلطة. على رأس أجهزة الأمن الداخلي، وثّقت تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية منذ الثمانينيات ممارسات تعذيب واحتجاز تعسفي وأشغال شاقة، طالت بينهم جنودا مغاربة أُسروا.
بعد وقف إطلاق النار، لم تختفِ هذه الممارسات، بل استمرت في صورة أكثر تكتما لكن بنفس المنهجية.
الشهادات التي جمعها التحالف الصحراوي للدفاع عن ضحايا سجن الرشيد صادمة. أحمد محمد الخر، أحد مؤسسي البوليساريو الذي أصبح معارضا، قضى أربعة عشر عاما خلف قضبان تلك السجون، عشر منها في عزل تام، خضع خلالها للتعذيب بين خلع أسنان وحرق، وشهد على عمليات إعدام جماعية.
عبد الله اليماني، ناجٍ آخر، لم يتلقَّ رسالته الأولى إلا بعد ستة عشر عاما، ليعلم منها بوفاة والديه، ويُحمِّل صراحة حمة سلامة مسؤولية الانتهاكات المرتكبة. وسجن الرشيد نفسه، الذي لم يُغلق إلا بعد موجة الإدانات الدولية، بات رمزا لآلة الرعب التي أدارها سلامة عن كثب.
إقرأ أيضا : تصنيف البوليساريو منظمة إرهابية: خطوة جديدة نحو تشديد الخناق على الجبهة
عام 2023، في نقاش نقله المدوّن الأكاديمي الكاتالوني خافيير ريوس سانت، حين كان لا يزال يترأس «البرلمان الصحراوي»، صرّح حمة سلامة بأن البوليساريو لا يستطيع منح حقوق اجتماعية ولا إرساء الديمقراطية طالما يعتمد سكان المخيمات على المساعدات الإنسانية. هذه العبارة الباردة المحسوبة تكشف إرادة متعمدة في إبقاء شعب رهين التبعية الكاملة لصون السيطرة العسكرية والأمنية.
يرى المحققون في قانون تصنيف الإرهاب في هذه الهيمنة ركيزة أساسية في الطابع الإرهابي للحركة.
وقد وصف تقرير إيغناسيو أورتيز المستقل خلال الدورة السابعة والخمسين لمجلس حقوق الإنسان الأممي نظام المخيمات بـ«نظام الرعب» القائم «بتواطؤ الجزائر». قضيتا المدوّن سالم معلينين صويد، الموقوف في أبريل 2023 بسبب فضحه اختلاس المساعدات، والناشط فاضل بريكة، الذي تعرض للتعذيب عام 2019 إثر مداخلة أمام الأمم المتحدة في جنيف، تُصوِّران قمعا لا يتوقف. يقرأ فيهما واشنطن توقيع جهاز لا يزال حمة سلامة علي سالم صانعه الرئيسي.
الصلة الإيرانية: فيلق القدس وحزب الله والجولات اللاتينية
على الصعيد الدولي تجد التحقيقات الأمريكية أثقل مادتها. حمة سلامة هو المحاور الأول لرجال إسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس، الذراع الخارجية للحرس الثوري الإيراني. يتصدر المشهد في العلاقة بين البوليساريو وطهران. قريب من حزب الله، يمثل وفق الوثائق التي جمعها واشنطن الحلقة المباشرة بين الحركة الصحراوية وهاتين المنظمتين اللتين تصنفهما الولايات المتحدة إرهابيتين.
رحلاته المتكررة إلى أمريكا اللاتينية، المقدمة في صورة مهام دبلوماسية، تخضع لرصد دقيق. خلف الواجهة الرسمية، ترى فيها الاستخبارات الأمريكية فرصا للتنسيق التشغيلي مع شبكات مدعومة إيرانيا راسخة الجذور في القارة اللاتينية.
هذه التنقلات تتيح لحمة سلامة الحفاظ على القنوات الرابطة بين مخيمات تندوف وفيلق القدس وحزب الله وتوسيعها. يوثق التحقيق الخاص بقانون تصنيف الإرهاب هذه الصلات بوصفها تهديدا مباشرا: حركة تتذرع بالنضال الانفصالي بينما تنسج تحالفات مع أبرز مصدري الإرهاب الإقليمي لا تستطيع بعد الآن الادعاء بأي شرعية سياسية.
تعيين حمة سلامة علي سالم رئيسا للأركان يعمق قراءة واشنطن. الرجل الذي يمسك اليوم بالجهاز العسكري للبوليساريو هو نفسه الذي يضطلع منذ سنوات بمهمة التواصل مع طهران. واشنطن لا يرى في ذلك خطرا محتملا بعد الآن، بل واقعا تشغيليا موثقا.
إقرأ أيضا : تحقيق: «صرخات من جحيم تندوف».. شهادات توثق إرهاب البوليساريو
لا يكتفي قانون تصنيف الإرهاب بالإشارة إلى تضامن أيديولوجي مع إيران، بل يستهدف تعاونا ماديا وتشغيليا وتقنيا، في مجال الطائرات المسيرة والتسليح والاستخبارات.
ولإثبات هذه المنظومة، لا بد من تحديد صانعي القرار وعقد الربط داخل المنظمة. اسم حمة سلامة برز على الفور. المخضرم الذي اخترق جميع طبقات الجهاز يصبح نقطة دخول طبيعية لفهم بنية الحركة. ومن منظور CIA، يمثل موقعا استراتيجيا يكشف آلية تفصيل البوليساريو بين جهازه العسكري وجهازه الأمني وواجهته السياسية.
مساره يلامس كل المناطق التي يريد هذا القانون استجلاءها: قيادة عسكرية، ودور أمني، وحضور في القمة السياسية، وانكشاف دبلوماسي. مجمل العناصر المتراكمة، من صعود عسكري متواصل وقمع ممنهج للمخيمات وروابط بنيوية مع فيلق القدس وحزب الله ورحلات لاتينية تحت غطاء دبلوماسي، تتقاطع اليوم لتجعل من حمة سلامة علي سالم العقدة التي تتركز فيها العنف الداخلي وتحالفات البوليساريو الخارجية.
