ومع ذلك، لا يزال الحكم السائد لدى جزء من الرأي العام الدولي — لا سيما الإفريقي والأوروبي والعربي، وليس كله — هشا، وأحيانا عدائيا، وغالبا ما يكون منحازا. وهذا يقودنا إلى استنتاج مزعج: جودة التنظيم لم تعد تضمن جودة السردية. فالنص السردي يُبنى الآن بدقة لا تقل عن بناء البنية التحتية نفسها. الرياضة واجهة، بلا شك، لكنها أيضا ساحة معركة سردية.
أصبحت الفعاليات الكبرى اليوم واجهات للقوة الناعمة والحداثة، ولكنها أيضا مساحات تشتد فيها الحرب المعلوماتية. إذ تتضافر جهود وسائل الإعلام الدولية، والمنظمات غير الحكومية الناشطة، وشبكات النفوذ الأيديولوجي، والمؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، والدول المنافسة، لصياغة صورة معينة، وأحيانا عبر نشر «حقائق بديلة». حينها يصبح الحدث ذريعة لنقل سرديات تخدم أجندات أخرى. وفي عالم شديد الاتصال، حيث تتداخل الأجندات، لا تمر القوة الناعمة أبدا دون منازعة.
لقد كان كأس العالم في قطر مثاليا من حيث البنية التحتية والتنظيم: ملاعب مذهلة، مناطق مشجعين مبهرة، وجهد وطني ملحوظ في الاستقبال والضيافة والدفء الإنساني. ومع ذلك، فإن السرد العالمي — الذي كان في الغالب عنصريا وضد العرب بشكل ضمني — هيمنت عليه الانتقادات السياسية والأخلاقية. وهي سردية بُنيت، أحيانا بشكل منهجي، لحجب أو حتى تفكيك النجاح التنظيمي للقطريين بدلا من تقييمه بإنصاف.
الخطأ الكلاسيكي الذي ترتكبه العديد من الدول المنظمة للفعاليات الكبرى هو الخلط بين التواصل وتملك السردية. الحملات الإعلانية المؤسساتية ضرورية، لكن دورها الأساسي يكمن في تقديم البلد المضيف وبنيته التحتية ومؤسساته. أما الاستعانة بالمؤثرين فقد تخلق طفرات انتباه وضجيجا مؤقتا، لكن تأثيرها يظل محدودا في الزمن، مدفوعا بعواطف عابرة. أما «حكي القصص» المرتبط بالحدث (Storytelling)، فإنه ينسج روايات غالبا ما ترتبط بصور أو وقائع مذهلة... سرعان ما تُنسى.
التواصل يحشد موارد ضخمة، لكنه وحده يساهم قليلا في البناء المستدام لسردية استراتيجية. في حين أن تملك السرد الوطني يتطلب مناهج أخرى، وأدوات أخرى، وقبل كل شيء رؤية بعيدة المدى. يجب معرفة كيفية الانتقال من مجرد الترويج إلى بناء مصداقية سردية حقيقية. والمصداقية السردية عملية معقدة؛ فهي تفترض الاستمرارية، وحضورا متعدد اللغات ومستداما في الساحات الدولية، وقدرة دائمة على اليقظة والرد، فضلا عن قدرة قوية على إنتاج محتويات محلية المنشأ، ومصداقية وقابلة للتصدير. يساهم بعض المؤثرين المغاربة في ذلك هنا وهناك، لكن الأمر يظل فرديا، ومشتتا، والأهم من ذلك أنه غير مدعوم برؤية استراتيجية ولا بوسائل مؤسساتية وازنة. الحاجة موجودة، والإرادة الشعبية موجودة، لكن ما ينقص بعد هو إرادة مؤسساتية وسياسية واضحة، ومعلنة، ومهيكلة.
«الخطر الاستراتيجي للتنظيم المشترك لكأس العالم 2030 بين المغرب وإسبانيا والبرتغال بسيط: من سيسيطر على السرد الدولي سيكون له وزن أكبر ممن سيوفر أفضل الخدمات اللوجستية»
— لحسن حداد
السردية ليست تسويقا؛ فنحن لا نبيع منتجا. الأمر في الحقيقة يتعلق بجيوسياسة ثقافية. السيادة السردية تفترض أن الدولة تسيطر على روايتها الخاصة، فحين تترك الآخرين يتحدثون بدلا منها، فإنها تكف عن كونها فاعلا وتصبح موضوعا للنقاش العالمي. الدول التي تستثمر في الإعلام الدولي، ومراكز الفكر، والمنصات الثقافية والأكاديمية، لا تفعل ذلك حرصا على الصورة فقط أو بدافع الأنا الوطنية؛ بل تفعل ذلك لترسيخ تمثيلات إيجابية، وموثوقة، ومؤثرة على المدى الطويل في المساحات التي تُصنع فيها التصورات، والمعايير، وغالبا القرارات.
لقد حقق المغرب نجاحات كبيرة، لكن الطريق نحو الإحكام التام لنفوذه لا يزال طويلا. فهو يستفيد من ضيافة أسطورية، واستقرار أمني معترف به، وشغف وطني بكرة القدم، وقيادة إفريقية بُنيت بصبر على مر السنين.
في المقابل، لا تزال هناك ثغرات كبرى في مجال السرد الدولي. فالحضور المغربي المهيكل على تيك توك، يوتيوب، وإنستغرام لا يزال ضعيفا، لا سيما باللغات الاستراتيجية مثل الإنجليزية، والإسبانية، والبرتغالية، والألمانية، والماندرين، والروسية، والهندية. وحتى عندما يتوفر محتوى بالعربية والفرنسية، فإنه يظل مشتتا إلى حد كبير، دون تنسيق، ودون إدراج في منطق استراتيجي قائم على أهداف واضحة، وقابلة للقياس والتقييم.
السرد في الغالب هو رد فعل، دفاعي، ومؤسساتي بشكل مفرط. في هذا الفراغ الاستراتيجي، تُترك الساحة غالبا لسرديات معادية، وأحيانا عدائية صراحةً، تتبناها أنظمة نعرفها، ولكن تروج لها أيضا بعض الأوساط الأيديولوجية في أوروبا.
من جهة، هناك جزء من اليسار الراديكالي المستعد لقولبة المغرب عبر قراءات ما بعد كولونيالية تبسيطية. ومن جهة أخرى، بعض تيارات اليمين الراديكالي الأوروبي، القريب جدا جغرافيا من المملكة، والمتأثر بعمق برؤية معادية للمغاربة (Morophobe) ومنظور أمني للعلاقات مع الجنوب.
الخطر الاستراتيجي للتنظيم المشترك لكأس العالم 2030 بين المغرب وإسبانيا والبرتغال بسيط: من سيسيطر على السرد الدولي سيكون له وزن أكبر ممن سيوفر أفضل الخدمات اللوجستية. لم يعد يكفي أن تكون «التلميذ النجيب» تنظيميا، بل يجب أن تصبح فاعلا مركزيا في إنتاج « حكي القصص » العالمي. ومن بين الممارسات الدولية الجيدة اعتماد تعدد لغوي استراتيجي: الإنجليزية، الإسبانية، الفرنسية، العربية، البرتغالية، الروسية، الألمانية، الماندرين والهندية. الأمر لا يتعلق فقط بترجمة البلاغات، بل بإنتاج مستمر للسرديات، والفيديوهات، والصور، والقصص الإنسانية، وخاصة المحتويات القصيرة التي يقدمها صناع محتوى محليون ودوليون.
لا يتعلق الأمر بتجميل الواقع، بل بتملك نقاط القوة والضعف لإعطائها تعبيرا إنسانيا وسرديا وموثوقا. السرد لا يجب أن يزوق بشكل اصطناعي، بل عليه أن يهيكل المعنى. الرهان هو خلق منظومة حقيقية من «المبدعين» وليس فقط «المؤثرين». فالمؤثر ينتج انتشارا، أما المبدع السردي فيبني مصداقية. وهذا يتطلب تكوين ومواكبة وحشد مخرجي الأفلام الوثائقية، والمدونين الثقافيين (Vloggers)، والصحفيين الرياضيين المستقلين، والأهم من ذلك، « رواة القصص البصرية ». ويجب أن يتم هذا العمل قبل وأثناء وبعد البطولة، وليس فقط خلال الحدث.
وفي هذا السياق، يعد «السرد المجالي» (Storytelling territorial) أمرا أساسيا. لا يجب الحديث فقط عن الملاعب والمباريات، بل أيضا عن المدن، والأحياء، والثقافات المحلية، والقصص الإنسانية حول كرة القدم. جعل كأس العالم سردية مجتمعية، وليس فقط منتجا رياضيا. أخيرا، السيطرة على السرد تفترض نهجا قائما على البيانات والاستماع الاستراتيجي: يقظة سردية دولية، وقدرة على الرصد المبكر للجدل، وآليات استجابة سريعة وموثوقة وغير بيروقراطية. فاليوم، تُحسم معركة الرأي العام في ساعات، وليس في أسابيع.
يجب أن تندرج حكامة السردية ضمن منطق الدولة، وليس ضمن استراتيجية تواصل بسيطة. يجب أن تكون سردية 2030 عابرة للوزارات، تشمل فاعلين متعددين من القطاع العام والخاص والمجتمع المدني. يجب أن تتجاوز حالة الهواية التي نلاحظها هنا وهناك، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تُقاد فقط عبر « تواصل الفعاليات ». فالأمر يتعلق بسمعة وطنية، وليس بالترويج لحدث ما.
ختاما، لم يعد الفوز بالمباريات كافيا؛ بل يجب أيضا الفوز بالنقاشات. لقد أثبت المغرب أنه يعرف كيف يبني وينظم ويحشد. لكن التحدي الحقيقي لعام 2030 يكمن في مكان آخر؛ إنه يكمن من الآن فصاعدا في القدرة على رواية الذات وتجسيدها وفرض السردية الخاصة. في عصر المنصات العالمية، ليس من يحقق النجاح الأكبر هو من يحظى بأفضل صورة، بل من يتقن لغة العالم.

