بنطلحة يكتب: الدبلوماسية المغربية.. تحولات استراتيجية وانتصارات تعزز الحضور الدولي

محمد بنطلحة الدكالي

في 05/04/2026 على الساعة 09:45

مقال رأيلم تعد الدبلوماسية المغربية اليوم تفهم ضمن حدودها التقليدية باعتبارها مجرد تدبير للعلاقات بين الدول أو حضور في المحافل الدولية، بل أصبحت تعبيرا عن تحول أعمق في طريقة تموقع الدولة داخل بيئة دولية متحركة ومعقدة. هذا التحول لا يرتبط فقط بتنوع الأدوات التي تعبئها، بل بقدرتها على توجيه هذه الأدوات في اتجاه واضح ومتماسك، يتمثل في تعزيز موقع المغرب إقليميا ودوليا. وفي قلب هذا التوجه، تبرز القضية الوطنية الأولى، قضية الصحراء المغربية، باعتبارها المحور الذي تنتظم حوله مختلف اختيارات السياسة الخارجية، والأساس الذي يستند إليه هذا التموضع في تماسكه وامتداده.

ما يميز هذا المسار هو أنه لم يعد قائما على منطق رد الفعل، بل على تراكم محسوب للمبادرات، في مقاربة أقرب إلى الفعل الاستباقي منها إلى الانتظار أو التكيف. لم يعد الاشتغال مقتصرا على الدفاع عن المواقف أو تفنيد الأطروحات المناوئة، بل أصبح يقوم على إنتاج معطيات تجعل من الطرح المغربي مرجعا عمليا في التعاطي الدولي مع النزاع. وقد انعكس ذلك في التحول التدريجي لمواقف عدد متزايد من الدول، التي لم تعد تتعامل مع الملف باعتباره مفتوحا على كل الاحتمالات، بل ضمن أفق محدد تتقدم فيه مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الأكثر واقعية وقابلية للتنفيذ. ومع توالي فتح القنصليات في مدينتي العيون والداخلة، لم يعد الأمر يتعلق بإعلان مواقف سياسية فحسب، بل بترسيخ حضور دبلوماسي مباشر يعكس انتقالا من الدعم النظري إلى الانخراط العملي.

لم يكن هذا التطور معزولا، بل يجسد تحولا أعمق في ميزان القوة داخل هذا الملف، حيث أصبح النقاش الدولي يتجه تدريجيا نحو تبني المقاربة المغربية، لما تقوم عليه من واقعية سياسية وما يسندها من معطيات ثابتة على الأرض. ويعزز هذا المنحى ما تعرفه الأقاليم الجنوبية من دينامية تنموية متواصلة، تجعل من السيادة واقعا ملموسا، وتربط بين القرار السياسي والتحول الاقتصادي والاجتماعي، بما يمنح الموقف المغربي عمقا يصعب تجاوزه.

غير أن قوة الدبلوماسية المغربية لا تختزل في هذا الملف، رغم مركزيته، بل في الطريقة التي تدار بها مختلف الواجهات بشكل متكامل، وفي قدرة المغرب على الحفاظ على توازن دقيق في علاقاته الدولية، قائم على تنويع الشركاء وعدم الارتهان لمحور واحد. فالدبلوماسية السياسية تقوم على وضوح الخط وثباته، وهو ما يمنح الشركاء صورة دولة تعرف حدودها ولا تساوم على ثوابتها، مع قدرة موازية على تدبير العلاقات بمرونة وبراغماتية. وفي الآن نفسه، برزت الدبلوماسية الاقتصادية كرافعة حقيقية، حيث لم يعد الموقع الجغرافي للمغرب مجرد معطى طبيعي، بل تحول إلى عنصر قوة فعلي من خلال بنى تحتية ومشاريع كبرى جعلت منه نقطة وصل بين أوروبا وإفريقيا والفضاء الأطلسي. بهذا المعنى، لم يعد المغرب يعرض موقعه، بل يوظفه لإنتاج قيمة، وهو ما يجعل الشراكة معه ذات كلفة سياسية واقتصادية يصعب التخلي عنها.

وفي هذا السياق، تندرج المبادرة الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، باعتبارها تعبيرا واضحا عن دبلوماسية لا تكتفي بالتكيف مع التحولات، بل تسعى إلى إعادة تشكيل محيطها الإقليمي عبر طرح حلول عملية لمعضلات جيوسياسية واقتصادية معقدة، بما يعزز موقع المغرب كفاعل مبادر داخل الفضاء الإفريقي والأطلسي.

وفي سياق إقليمي يتسم بعدم الاستقرار، يبرز البعد الأمني كأحد عناصر القوة، حيث يقدم المغرب نفسه كشريك موثوق قادر على الإسهام في إنتاج الاستقرار، وليس فقط الاستفادة منه. كما أن الانخراط المتزايد في العمق الإفريقي، عبر الاستثمار والتعاون وبناء شبكات طويلة الأمد، لم يكن خيارا ظرفيا، بل توجها استراتيجيا يمنح الدبلوماسية المغربية امتدادا جغرافيا وسياسيا يعزز هامش حركتها داخل نظام دولي يتجه نحو التعددية.

أما على المستوى الثقافي والرمزي، فقد استطاع المغرب أن يعزز حضوره بشكل لافت، ليس فقط عبر رصيده الحضاري وتنوعه الثقافي، بل أيضا من خلال قدرته على التنظيم وإدارة الأحداث الكبرى. وقد تجسد ذلك بوضوح في النجاح الذي حققه في تنظيم كأس إفريقيا للأمم في مستوى حظي بإشادة واسعة، كما يستعد لتنظيم كأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، في حدث يعكس حجم الثقة الدولية في قدراته ومكانته المتصاعدة. هذه العناصر لا تندرج في الهامش، بل تشكل جزءً من صورة الدولة، وهي صورة تسهل بناء الشراكات وتمنح الموقف السياسي قابلية أكبر للقبول.

ويستمد هذا المسار تماسكه من تداخل هذه الأبعاد وتكاملها، إذ لا تتحرك كل منها بمعزل عن الأخرى، بل تتقاطع ضمن رؤية واحدة تجعل من كل مجال سندا للآخر. فالموقف السياسي يقوى بما يتيحه الاقتصاد، الذي يرتكز بدوره على بيئة أمنية مستقرة، وتواكب ذلك صورة إيجابية على المستوى الثقافي، ضمن شبكة مترابطة تمنح العلاقات الدولية للمغرب قدرا أكبر من الرسوخ.

وهنا يتضح أحد وجوه القوة في هذا المسار، إذ ينخرط المغرب في علاقات قائمة على تبادل المصالح، بما يجعل استقراره ونجاحه امتدادا لمصالح شركائه.

ولا يمكن فصل هذا التحول وهذه الانتصارات عن الدور المركزي الذي يضطلع به الملك محمد السادس، الذي منح للدبلوماسية المغربية نفسا استراتيجيا طويل الأمد، قائما على الاستمرارية والوضوح وتحديد الأولويات. فقد ساهم هذا التوجيه في الانتقال من دبلوماسية ظرفية إلى دبلوماسية تبني تراكماتها بهدوء، وتربط بين مختلف مستويات الفعل الخارجي ضمن تصور متكامل، حيث تتداخل السياسة مع الاقتصاد، ويتقاطع البعد الإفريقي مع الامتداد الأطلسي، وتترجم السيادة إلى مشاريع ملموسة.

إن ما يتبلور اليوم هو أكثر من مجرد تحسن في الأداء الدبلوماسي؛ إنه إعادة تشكيل تدريجية لموقع المغرب داخل التوازنات الإقليمية والدولية. فالمغرب لم يعد يكتفي بالتكيف مع التحولات التي تحيط به، بل أصبح يسهم في توجيه جزء منها، مستندا إلى مزيج من الاستقرار والمصداقية والقدرة على إنتاج القيمة. وبذلك، لم يعد حضوره مجرد معطى، بل أصبح عنصرا فاعلا داخل المعادلة، يفرض نفسه بوصفه شريكا لا يمكن تجاوزه.

تحرير من طرف محمد بنطلحة الدكالي
في 05/04/2026 على الساعة 09:45