لم يكن خروج محمد نبيل بنعبد الله من دائرة التدبير التنفيذي سنة 2017، وقضاؤه نحو خمس سنوات في خندق المعارضة، سوى استراحة محارب لسياسي تمرّس على البقاء في قلب المعادلة.
ومع الإعلان عن التشكيلة الحكومية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، يعود الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية إلى الواجهة متقلدا واحدة من أثقل الحقائب وأكثرها حساسية: وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل؛ في عودة تؤكد أن رجل التواصل والمفاوضات العسيرة ما زال ورقة وازنة في هندسة المشهد السياسي المغربي.
النشأة والتكوين: الدبلوماسية ولغة التقارب
رأى نبيل بنعبد الله النور في العاصمة الرباط في 3 يونيو 1959. نشأ في بيئة منفتحة صقلت شخصيته، وتلقى تعليمه في البعثة الفرنسية بين مدرسة « سان إيكسوبيري » وثانوية « ديكارت » العريقة، حيث نال شهادة البكالوريا في الآداب العصرية عام 1977.
قادته طموحاته الأكاديمية إلى العاصمة الفرنسية باريس، ليلتحق بالمعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية (INALCO) التابع لجامعة السوربون الجديدة. هناك نال عام 1985 شهادة عليا في العلاقات الدولية، وهي الخلفية التي طبعت لاحقا أسلوبه التفاوضي وقدرته على إدارة الحوارات الشائكة بهدوء دبلوماسي.
من محراب الترجمة والصحافة إلى قاعات الحزب
عقب عودته إلى المغرب، ولج بنعبد الله المعترك المهني مبكرا؛ فعمل مترجما محلفا لدى المحاكم وأسس مكتبه الخاص بالرباط منذ 1987، متوجا مساره المهني بانتخابه نائبا لرئيس جمعية التراجمة المحلفين بالمغرب سنة 1992.
ولأن السياسة تجري في عروق الحزب التاريخي « حزب الكتاب »، تولى بين عامي 1997 و2000 إدارة لسانَي الحزب؛ جريدتي «البيان» الناطقة بالفرنسية و«بيان اليوم» بالعربية، ما منحه قدرة عالية على التقاط نبض الشارع وصياغة الخطاب السياسي الرصين.
ولم ينفصل هذا النشاط عن انخراطه المدني والثقافي، إذ ترأس وشارك في إدارة هيئات وازنة، من بينها مؤسسة « المغرب-سويسرا للتنمية المستدامة »، ومجلس إدارة مهرجان تطوان الدولي للسينما المتوسطية، وعضويته في مؤسسة « الثقافات الثلاث ».
المسار السياسي: الصعود من شبيبة الحزب إلى سدة الأمانة العامة
تدرج بنعبد الله في المدارج الحزبية وفق نسق تنظيمي كلاسيكي؛ حيث انطلقت شرارة نضاله خلال دراسته الجامعية بفرنسا وفي صفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب (UNEM) بأوروبا الغربية.
- 1988 – 1998: قاد الشبيبة المغربية للتقدم والاشتراكية ككاتب عام لعقد كامل، تزامنا مع دخوله اللجنة المركزية للحزب.
- 1995: ارتقى إلى عضوية المكتب السياسي في عهد الزعيم الراحل علي يعتة.
- 2010: انتخب أمينا عاما لحزب التقدم والاشتراكية خلفا لمحمد إسماعيل العلوي خلال المؤتمر الوطني الثامن، وهو المنصب الذي حافظ عليه بثقة قواعد الحزب عبر المؤتمرات التاسع، والعاشر، والحادي عشر المنعقد في نونبر 2022.
خاض كذلك تجربة التدبير الترابي من موقعه كمستشار جماعي بمجلس مدينة الرباط ومجلس مقاطعة أكدال-الرياض بين 2003 و2009، مستوعبا تفاصيل الشأن المحلي ومتطلباته اليومية.
التجربة التنفيذية: الناطق الأسبق ومهندس التحالفات الجريئة
طيلة مساره، عُرف نبيل بنعبد الله بقدرته على التكيف مع مختلف ألوان الطيف السياسي داخل المؤسسة التنفيذية:
1- صوت الدولة الدبلوماسي (2002 – 2007): تقلد منصب وزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة في تجربة التكنوقراط بقيادة إدريس جطو، حيث شكل واجهة إعلامية محترفة دافعت عن خيارات الدولة وأطلقت أوراش تحرير قطاع الاتصال السمعي البصري.
2- المهمة الدبلوماسية (2008 – 2009): عُين سفيرا للمملكة المغربية في روما، في محطة دبلوماسية مكثفة رسخت حضوره في العلاقات الخارجية.
3- التحالف التاريخي مع الإسلاميين (2012 – 2017): بصم بنعبد الله على قرار سياسي شجاع وغير مسبوق بالتحالف مع حزب العدالة والتنمية، متوليا حقيبة وزارة السكنى والتعمير وسياسة المدينة في حكومة عبد الإله بنكيران، ثم في حكومة سعد الدين العثماني، مساهما في إطلاق مشاريع كبرى للقضاء على مدن الصفيح ومعالجة السكن الآيل للسقوط، قبل أن يغادر المنصب بقرار إعفاء وزاري في أكتوبر 2017 ارتبط بتقارير متابعة مشاريع « منارة المتوسط ».
أمام الرهان الجديد: قيادة قطاع التربية والتكوين
يحمل بنعبد الله رصيدا نضاليا وتجربة تدبيرية غنية، فضلا عن تقدير دولي تجسد في توشيحه بوسام ملكي بلجيكي من درجة ضابط ممتاز.
واليوم، يضع الملك محمد السادس ورئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري ثقتهما في هذا السياسي المخضرم لقيادة قطاع يمثل الأولوية الوطنية الثانية للمملكة بعد الوحدة الترابية؛ قطاع التعليم والتكوين.
إنها مهمة لا تطلب كفاءة إدارية فحسب، بل تستدعي حسا سياسيا رفيعا وقدرة تفاوضية مشهودة مع النقابات والأسرة التعليمية لترجمة مضامين إصلاح المدرسة العمومية وضمان استقرار الجبهة الاجتماعية.
