تعين انتظار خمسة عقود لطرح هذا السؤال بوضوح وحسم. وسيستغرق الأمر وقتا أقل بكثير ليصبح حقيقة واقعة. لم تتبق سوى بضعة أشهر، وربما بضع سنوات قصيرة، قبل أن تختفي جبهة البوليساريو تماما من المشهد السياسي المغاربي. هذه الفترة القصيرة لا قيمة لها بالدينامية الكبرى للتاريخ. ولشعوب ودول المغرب الكبير كل الحق في طرح هذا السؤال المثير: كيف سيكون حال منطقتنا بدون هذه العقبة الكأداء المسماة البوليساريو؟
إحدى أولى النتائج ستكون إزالة عقبة رئيسية أمام التوتر المستمر بين المغرب والجزائر. من ذا الذي سيستمر، بعد اختفاء البوليساريو، في تأييد فكرة القطيعة الدبلوماسية بين البلدين، وإغلاق الحدود، والفصل القسري بين شعبين تجمعهما الكثير من القواسم المشتركة؟ حتى وإن بقيت بعض عناصر التنافس الطبيعي، فلا شيء يبرر حالة القطيعة الراهنة.
بمجرد أن تنقشع غيوم البوليساريو، سواء عبر المفاوضات أو بقوة الشرعية الدولية، لن يقف شيء في طريق تحسن كبير في العلاقات في المنطقة المغاربية. باستثناء، بدون شك، بعض القوى السياسية-العسكرية التي جنت مكاسب ظرفية من استمرار وجود البوليساريو في المنطقة. لكنها ستضعف حينها، وسيصبح صوتها غير مسموع، وسيتم تحديد قدرتها على تأجيج الصراع.
المغرب الكبير بدون البوليساريو؟ حلم يبدو تحقيقه وشيكا، ويفتح آفاقا واسعة للمنطقة برمتها. يبدأ هذا بالتطلعات الوحدوية التي كانت وراء إنشاء اتحاد المغرب العربي، وهو الإطار الذي ظل مشلولا لعدة عقود، وكان يهدف إلى تنسيق المبادرات المشتركة الكبرى ودعم الطموحات الإقليمية. وفي قلب هذه الحقبة الجديدة، الخالية من البوليساريو، يكمن التكامل الاقتصادي بين دول المغرب الكبير، القادر على إحداث تحول جذري في حاضر المنطقة ومستقبلها.
إن المغرب الكبير بدون البوليساريو سيكون، قبل كل شيء، مغربا يركز بالأساس على تنميته الاقتصادية، محولا جزءً كبيرا من ميزانيته الدفاعية والأمنية لتمويل المشاريع المهيكلة الكبرى خدمة لرفاهية الساكنة. ومع زوال شبح الانقسام والمواجهة العسكرية، تستطيع المملكة تكريس كل طاقاتها لقضايا التحول والنمو الاقتصادي الرئيسية، تلك التي ترسم بشكل دائم مصير الشعوب.
كما أن المغرب الكبير بدون البوليساريو يعني أيضا جزائر متحررة من هوس يستنزف ميزانيتها، ويرهن اقتصادها، ويسجنها في منطق المواجهة الدائمة مع جيرانها والمجتمع الدولي. بدون البوليساريو، ستستعيد الجزائر وضعها الدبلوماسي الطبيعي. ولن يكون لدى جيشها ذريعة لإبقاء المنطقة رهينة للتوترات. قد يستمر التنافس الطبيعي مع المغرب، لكن ستخف حدته وعدوانيته.
إن وجود مغرب كبير بدون البوليساريو يعني بالضرورة، على المدى البعيد، مصالحة بين الرباط والجزائر، وعودة العلاقات إلى طبيعتها مع تونس بقيادة قيس سعيد، التي تقاربت مع الجزائر وابتعدت عن المغرب، وتوضيح العلاقات مع موريتانيا، التي سيصبح اعترافها بـ«الجمهورية الصحراوية» الوهمية أمرا عفا عليه الزمن. لن يكون لدى هذه الدول الأربع سبب رئيسي للخلاف، وستجبر على التفكير الجماعي ووضع مشاريع مشتركة. ومع استعادة حرية التنقل، سيتمكن سكان المغرب الكبير من تحرير طاقاتهم وإبداعاتهم.
ما كان في يوم من الأيام مجرد حلم جيل أصبح اليوم أفقا ملموسا. تبرز البوليساريو كورم خبيث يعيق الديناميات الإقليمية ويقوض الطموحات المشتركة. إن اختفاءها من المشهد المغاربي سيفتح الباب أمام كل الآمال. سيتلاشى فيروس الانقسام لتحل محله إرادة جامحة للبناء معا، بحماس أولئك الذين يسعون لاستدراك الوقت الضائع. قد يكون الانتعاش السياسي والازدهار الاقتصادي المتوقعان مذهلين، إذ ستكون المشاريع المشتركة القائمة على منطق التكامل جوهر التحديات المقبلة.
ليس من المؤكد أن عقودا من انعدام الثقة، التي غذتها أنظمة استفادت منها، ستتلاشى فجأة لتفسح المجال لمصالحة تلقائية. لكن ما هو مؤكد أن منطق القطيعة والرفض سيختفي أمام ضرورة التعاون والعمل المشترك. وهذا، في رأي الكاتب، لا ينفصل عن التواري المبرمج للبوليساريو.

