الجزائر: النظام يواجه شلل الإضراب العام وفشل السياسات بالقمع و«شماعة المؤامرة»

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون

في 08/01/2026 على الساعة 20:15

بينما كانت شوارع المدن الكبرى في الجزائر تغرق في صمت مطبق بفعل الإضراب العام الذي شل حركة البلاد يومه الخميس، اختار النظام العسكري وجهازه الدعائي الهروب إلى الأمام. ففي الوقت الذي وجد فيه ملايين المواطنين أنفسهم أمام أزمة نقل خانقة ومحلات تجارية موصدة الأبواب، كانت الأذرع الإعلامية للسلطة تروج لرواية «الإشاعة»، وتعلق فشلها الذريع في تدبير الأزمات الاجتماعية على مشجب «المؤامرة الخارجية».

استيقظت الجزائر، اليوم الخميس 8 يناير 2026، على وقع شلل شبه تام في الحركة المرورية والتجارية، إثر الاستجابة الواسعة للإضراب العام الذي دعا إليه ناشطون ومهنيون، وهو ما وضع النظام الحاكم في مواجهة مباشرة مع فشل خياراته الاقتصادية والاجتماعية التي لم يجد لتبريرها سوى «أسطوانة المؤامرة الخارجية» المعتادة.

شلل ميداني وتعتيم رسمي

بخلاف الرواية التي حاول الإعلام الموالي والمسير من قبل النظام ترويجها، فإن الساعات الأولى من صباح الخميس كشفت عن واقع مغاير؛ حيث تسبب الإضراب في شل حركة النقل وتعطيل مصالح الملايين.

وانضم التجار في ولايات عدة إلى مهنيي النقل، مغلقين محلاتهم احتجاجا على تدهور الأوضاع المعيشية، في وقت زعم فيه «الذباب الإلكتروني» وأذرع النظام أن الإضراب مجرد «إشاعة».

ورغم محاولات التعتيم، نقلت مصادر إعلامية أجنبية وتقارير ميدانية أن نسبة الاستجابة تجاوزت عتبة 90 في المائة في ولايات استراتيجية مثل العاصمة، سطيف، وهران، بجاية وتيزي وزو. كما وثق ناشطون عبر مقاطع فيديو شوارع مدن كبرى وهي خالية تماما، مما يدحض مزاعم السلطة بعودة العمل إلى طبيعته.

شماعة «الخارج» للهروب من الأزمات

أمام العجز عن إيجاد حلول واقعية، لجأ النظام الجزائري إلى سياسته التقليدية بتعليق الفشل على مشجب «الجهات الخارجية».

وأصدرت الهيئة الوطنية للوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال بيانا اتهمت فيه حسابات مسيّرة من المغرب وفرنسا وبريطانيا وكندا بنشر منشورات «تخريبية» تهدف إلى «زعزعة استقرار البلاد».

هذا الهروب إلى الأمام يتجاهل حقيقة أن الاحتجاجات نابعة من الداخل، وتحديدا من فئات مهنية تضررت بشكل مباشر من الزيادات «الفجائية» في أسعار الوقود وقانون المرور الجديد الذي يفرض عقوبات سجنية وغرامات مالية قاسية، وصفها المحتجون بأنها وسيلة «لجباية الأموال» لسد العجز المالي الناتج عن سوء التدبير.

مقاربة أمنية وقمع للحقوق

في سياق متصل، كثفت السلطات من حملة الاعتقالات في أوساط المحتجين، وهو سلوك معتاد من طرف سلطات النظام التي لا تتقن سوى العنف والتخويف بدل الإصغاء والحوار.

وأدانت منظمة «شعاع» لحقوق الإنسان ما وصفته بـ«سلسلة الملاحقات القضائية التعسفية التي طالت سائقي الشاحنات ومواطنين عبّروا سلميا عن رفضهم لقانون المرور الجديد».

وأكدت المنظمة الكائن مقرها في لندن أن لجوء السلطة إلى الملاحقات القضائية التعسفية ضد سائقي الشاحنات والمواطنين يمثل تقويضا للحقوق الدستورية المكفولة في التعبير والاحتجاج السلمي.

وحذرت «شعاع» من خطورة هذه «المقاربة الأمنية» في التعامل مع مطالب اجتماعية ومهنية مشروعة، مؤكدة أن هذه السياسة تزيد من حدة الاحتقان والتوتر، وطالبت بالإفراج الفوري عن الموقوفين وفتح حوار جدي لمراجعة القوانين التي تمس مصادر رزق الجزائريين.

اقتصاد رهين المحروقات ووعود «وهمية»

تعكس هذه الانتفاضة المهنية عمق المأزق الذي آلت إليه السياسات الاقتصادية للنظام العسكري الحاكم، حيث يعيش المواطن الجزائري في دوامة من التناقضات الصارخة؛ ففي بلد يصنف ضمن كبار منتجي الطاقة، يجد السكان أنفسهم غارقين في أزمات نقل خانقة وندرة حادة في المستلزمات الأساسية، تحت وطأة تضخم يلتهم القدرة الشرائية.

ويرى متابعون أن لجوء السلطة لسياسة المنح والزيادات «الوهمية» في الأجور ليس سوى محاولة «ترقيعية» لامتصاص الغضب الشعبي، إذ سرعان ما تتبخر هذه الزيادات مع الرفع المتواصل لأسعار الوقود والمواد المدعومة، في ظل غياب قاعدة إنتاجية حقيقية خارج قطاع المحروقات.

إن مشهد المواطن الجزائري وهو يكابد في طوابير الانتظار في بلد يعوم على بحر من النفط، يختزل فشل نظام يهدر المليارات في نفقات تسييرية لا تخلق ثروة مستدامة، ويصر على مواجهة المطالب الاجتماعية العادلة بتهم «التخوين» و«المؤامرة»، بدلا من تقديم حلول واقعية تحفظ كرامة الشعب وتخرجه من نفق الأزمات المفتعلة.

تحرير من طرف ميلود الشلح
في 08/01/2026 على الساعة 20:15