برنارد لوغان يكتب: برنارد لوغان يكتب: كيف ينجو «النظام» الجزائري دائما من السقوط

Bernard Lugan.

المؤرخ الفرنسي برنارد لوغان

في 07/04/2026 على الساعة 11:00

مقال رأيتشكل وفاة اليمين زروال، الرئيس الجزائري الأسبق الذي رحل في 28 مارس 2026 عن عمر ناهز 84 عاما، فرصة لمراجعة الكيفية التي استطاع بها النظام الجزائري البقاء حيا وتجاوز كل الأزمات.

وفاة زروال، الذي قاد البلاد خلال الفترة الحرجة المعروفة بـ«العشرية السوداء»، تفتح الباب مجددا لتأمل قدرة هذا النظام على الصمود.

ففي 18 مارس 1962، وتحديدا في الساعة 17:40، وقعت فرنسا ووفد الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية «اتفاقيات إيفيان». وفي اليوم نفسه، أصدر الجنرال إيليريه، القائد العام للقوات الفرنسية، أمره بوقف إطلاق النار.

وبينما كان «الوطنيون» غارقين في صراعاتهم المحمومة، لم يتأخر جيش التحرير الوطني، الذي ظل هيكله ثابتا في تونس والمغرب دون أن يشارك في القتال، في فرض أحمد بن بلة على الحكومة المؤقتة ومقاتلي الداخل.

وبمجرد اختيار الجيش لبن بلة، حدثت القطيعة في سبتمبر مع محمد بوضياف الذي حاول القيام بتمرد قبل أن يلجأ إلى المغرب.

وفي أكتوبر 1963، أطلق حسين آيت أحمد حركة مسلحة في منطقة القبائل، لكن النظام الناشئ نجح في إبعاد الخطر الداخلي عبر مهاجمة المغرب وإشعال «حرب الرمال».

استقر بن بلة في السلطة بدعم من بومدين وتحت مراقبته، ودفع بالجزائر نحو اشتراكية التسيير الذاتي والتوجه العالمثالثي.

وفي 19 يونيو 1965، وبعدما انتهت الحاجة إليه كواجهة للنظام العسكري، أطاح به العقيد بومدين وأودعه سجن تمنراست حيث ظل محتجزا لسنوات طويلة.

مارس هواري بومدين ديكتاتورية مستلهمة من الاشتراكية الستالينية. كان محمد إبراهيم بوخروبة، الذي اتخذ اسم هواري بومدين في العمل السري، جافا يفتقر للكاريزما، وذا ماض عسكري محدود للغاية. فاقتصر نشاطه في الحرب ضد فرنسا على عملية إمداد متواضعة للمجاهدين في الغرب الجزائري عام 1955، قبل إنشاء الأسلاك الشائكة الفرنسية، بينما قضى بقية الحرب في معسكرات جيش التحرير بتونس والمغرب بعيدا عن جبهات القتال.

غير أن هذا السجل العسكري المتواضع لم يمنعه من تسلق رتب القيادة ليصبح القائد القوي لجيش التحرير، الذي حوله إلى أداة سياسية وعسكرية طيعة بين يديه.

أقحم بومدين الجزائر في سياسة تصنيع حكومية غير منظمة، فمنيت المؤسسات الجديدة بإخفاقات مدوية بسبب سوء الإدارة وتحولت إلى ثقوب مالية سوداء، في حين أدى انهيار الزراعة إلى تبعية غذائية مزمنة.

«أدرك النظام أن بقاءه يقتضي البحث عن «مظلة مدنية»، فقرر زروال تقليص عهدته في 1998، ليدفع الجيش بعبد العزيز بوتفليقة إلى سدة الحكم»

—  برنارد لوغان

وفي عام 1966، أكملت موجة تأميم الشركات الأجنبية تحويل الجزائر إلى دولة اشتراكية تابعة للاتحاد السوفيتي والصين، لتنتقل من جمهورية التسيير الذاتي إلى نموذج مستوحى من النظام الستاليني.

وعندما غيبه الموت في 27 دجنبر 1977، ترك بومدين بلدا محطما وفاسدا، وشبابا عاطلا ومحبطا سرعان ما وقع فريسة للإسلاميين.

استشعر الجيش ضرورة منح الجزائريين متنفسا، فاختار العقيد الشاذلي بن جديد خلفا له (1978-1992)، ليسير في اتجاه معاكس لسياسة سلفه.

كان التباين بين الرجلين جليا حتى في المظهر؛ فقد خلف الرجل المرح المحب للحياة ذلك الثوري النحيف الزاهد. ومع بن جديد، وضعت سياسة «التصنيع الشامل» جانبا، وفككت المجمعات الصناعية الضخمة التي استعصت على الإدارة، وصارت الأولوية لتحسين ظروف معيشة المواطنين.

بعد «سنوات الرصاص» البومدينية، ظن الجزائريون أنهم بصدد حياة جديدة. وفي عام 1980، أطلق سراح بن بلة وبدت رياح الحرية تهب على البلاد.

اعتبرت هذه المرحلة في بدايتها تخفيفا لقبضة النظام، فخرجت المعارضات التي كانت مكبوتة للتعبير عن نفسها في الأوساط الطلابية والعمالية، تزامنا مع فقر متسارع ناتج عن انهيار أسعار المحروقات.

اضطرت الحكومة، تحت ضغط الأزمة المالية، إلى تقليص واردات السلع الاستهلاكية، لتعود الجزائر إلى دوامة الندرة مضافا إليها معدلات بطالة مرعبة.

ومن جهتهم، طالب سكان القبائل، الذين قاوموا التعريب القسري منذ 1962، بالاعتراف بلغتهم في حراك هوياتي قوي توج بـ«الربيع الأمازيغي» عام 1981.

وفي غياب الأمل، انخرط الشباب الجزائري تدريجيا مع التيار الإسلامي الذي كان الوحيد المندد بصلف طبقة الامتيازات التي اقتاتت على بؤس الشعب.

كانت التنظيمات الإسلامية قد سيطرت بصمت لسنوات على الفئات الفقيرة عبر توفير الاحتياجات الأساسية للبقاء.

في 4 أكتوبر 1988، اندلعت «انتفاضة الجوع» في أرجاء البلاد، وواجه الجيش الحشود بالرصاص مخلفا مئات القتلى. ومن أجل البقاء، أعلن «النظام» عن سياسة التعددية والانفتاح السياسي.

ونتيجة لذلك، اندفع التيار الإسلامي، باعتباره القوة الوحيدة المنظمة خارج إطار الجيش، في الثغرة السياسية المفتوحة، ليتشكل في حزب «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» بقيادة عباسي مدني وعلي بلحاج، وخاض حملة فعالة نددت بفساد السلطة.

حقق الحزب نصرا كاسحا في بلديات 1990، قبل أن يفوز بالدور الأول من التشريعيات في 26 دجنبر 1991. ومع ضمانه للأغلبية المطلقة في الدور الثاني، بات قادرا على تحويل الجزائر إلى جمهورية إسلامية على الطراز الإيراني.

أدرك «النظام» أن الخطر صار وجوديا، فجاء رده عنيفا. أزيح الرئيس بن جديد في 11 يناير 1992، وألغيت الانتخابات في اليوم التالي. شُكل «المجلس الأعلى للدولة» من خمسة أعضاء، وأسندت رئاسته لمحمد بوضياف، أحد القادة التاريخيين لجبهة التحرير الذي كان يعيش منفيا في المغرب.

عاد بوضياف في 16 يناير 1992 كمنقذ استحضره «النظام» ليغطي بشرعيته التاريخية قرار إلغاء المسار الانتخابي.

أعلن بوضياف فور عودته القطيعة مع الممارسات السابقة والحرب الشاملة على الفساد، وهو ما لم يرق للطبقة الحاكمة. وبعدما لعب دوره كغطاء تاريخي لانقلاب 12 يناير، صار وجوده مزعجا، فتم اغتياله على يد ملازم أول في المخابرات أُلحق حديثا بالحرس الرئاسي.

خلف العقيد علي كافي بوضياف بتزكية من المجلس الأعلى للدولة، وكانت مهمته كسب الوقت.

ناور كافي بين الأجنحة السياسية وعين بلعيد عبد السلام، رجل الحقبة البومدينية، رئيسا للوزراء، قبل أن يستبدله بعد عام في غشت 1993 برضا مالك ذي التوجه الديمقراطي. لكن وبسبب رغبة «النظام» في الخروج من حالة الضبابية، اجتمعت القيادات العسكرية في «ندوة الوفاق الوطني» في يناير 1994، وأزاحت علي كافي لتفرض الجنرال اليمين زروال الذي تولى مهامه في 31 يناير 1994.

تولى زروال الرئاسة (1994-1999) في ذروة الحرب الأهلية. وحاول «النظام» معه نهج سياستين متزامنتين: الانفتاح التعددي ومحاربة الإسلاميين المتشددين.

وسعيا لتفكيك الجبهة الإسلامية، واصل الحوار مع قادتها وأطلق سراح عبد القادر حشاني وعباسي مدني، ما أدى إلى فقدان الجبهة لمصداقيتها لدى الأجنحة الراديكالية. انخرطت الأخيرة، ضمن ما عُرف بـ«الجماعات الإسلامية المسلحة» (GIA)، في دوامة من الرعب والمجازر ضد المدنيين بوحشية لا توصف.

ومع فشل زروال في القضاء على الإرهاب، وصل «النظام» إلى طريق مسدود مرة أخرى، خاصة مع تزايد الرفض الدولي لهيمنة الجيش على السلطة.

أدرك النظام أن بقاءه يقتضي البحث عن «مظلة مدنية»، فقرر زروال تقليص عهدته في 1998، ليدفع الجيش بعبد العزيز بوتفليقة إلى سدة الحكم.

للتذكير، فإن الرئيس زروال هو من أصدر قرار إغلاق الحدود مع المغرب في عام 1994.

تحرير من طرف برنارد لوغان
في 07/04/2026 على الساعة 11:00