كان من المفترض أن يجسد غار جبيلات دخول الجزائر عصر الصناعة المنجمية الكبرى، لكنه في طريقه ليصبح حالة نموذجية للانفصال بين التواصل السياسي والواقع الاقتصادي. ففي يوم الأحد فاتح فبراير 2026، ومن قلب صحراء الجنوب الغربي، دشنت السلطة الجزائرية الخط السككي غار جبيلات–بشار كما تدشن الملاحم الوطنية؛ حيث حضر كل شيء: الخطابات الحماسية، والحشود، والإخراج الدقيق، والإجماع الإعلامي. وبدلا من تقديم مشروع ناضج، قدموا للبلاد رواية تشبه الرسوم المتحركة.
ترأس الرئيس عبد المجيد تبون المراسم بنفسه، محاطا بأركان النظام. وأعطى حضور رئيس أركان الجيش، سعيد شنقريحة، الذي أعلن عنه بعد تردد، بعدا مؤسساتيا للحدث. وعند هذا المستوى من الظهور، لم يعد الأمر يتعلق بالاحتفاء ببنية تحتية سككية، بل بتحصين نظام.
في خطاب مكتوب له لم يحد عنه كثيرا هذه المرة، تحدث رئيس الدولة عن «استيقاظ العملاق»، وهي العبارة التي صارت شعارا إعلاميا، وعن النهضة الصناعية، ومشروع «أنجز في 20 شهرا»، وصولا إلى اقتراح تسجيله في موسوعة غينيس للأرقام القياسية. استجابت القاعة بالهتاف والزغاريد والتصفيق الحار، ولا يهم إن كان القطار الذي قدم كقافلة للمعدن هو في الواضح عتاد مخصص أصلا لنقل الحبوب. ففي هذا النوع من المحافل الكبرى، ليس المهم ما يسير على السكة، بل ما يمر عبر الشاشة. وبهذه المناسبة، لم يتردد تبون في ارتداء قبعة «رئيس محطة»، معطيا إشارة بيده لسائق القاطرة بالمرور؛ وهو مشهد يثير السخرية حقا.
اتسم الخطاب الرسمي بنبرة سيادية، فالمشروع قيل إنه ثمرة حصرية لعبقرية وسواعد الجزائريين، لكن وبعد جملة واحدة، جاءت عبارات الشكر الحارة للشركاء الصينيين لتذكر بأن الوطنية الصناعية غالبا ما تتوقف عند حدود الصفقات العمومية.
«آيرون مان» بالصيغة الجزائرية
قبل التدشين وخلاله وبعده، بلغت التعبئة الإعلامية ذروتها؛ حيث تكرر القنوات العمومية والإذاعات والصحافة المكتوبة والمنصات الرقمية الرواية نفسها، دون فروق أو تضارب. يقدم غار جبيلات كمعادل جزائري لأكبر الأحواض المنجمية الأمريكية أو الألمانية. وتعود «السعفة الذهبية» في هذا الإطار لقناة «AL24News» التي بثت وثائقيا لمدة ساعة، مليئا بالصور الجوية والشهادات المبالغ فيها والتحليلات المتواطئة، وكل ذلك ممهور بختم «المديرية العامة للاتصال برئاسة الجمهورية».
على الشاشة، يكتشف المشاهد ملحمة صناعية في طور الإنجاز، أما على أرض الواقع، فتظهر الصور المتاحة فعليا فوهة ضخمة وأكواما من المعدن الخام، مع غياب شبه تام لمنصات صناعية عملاقة وُعد بها. إن «الثورة» تكمن أساسا في السرد؛ فأين هي صور هذا المنجم؟ الصور الوحيدة لـ«مشروع القرن» لا تظهر سوى حفرة تشبه أي مقلع حجارة، لا آلات استخراج، ولا بنى تحتية لنقل المعدن، ولا حتى مساكن للعمال. إن خدعة تبون مبنية حقا من فولاذ.

رسميا، يقوم المشروع على مكمن هائل اكتشف عام 1952، ويوصف غار جبيلات بأنه «أحد أكبر احتياطيات الحديد في العالم»، بنحو 3.5 مليار طن، منها 1.7 إلى 2 مليار طن قابلة للاستغلال. ويزعم النظام أن الاستغلال الصناعي بدأ في 2022 ويهدف لإنتاج سنوي يصل إلى 40 أو 50 مليون طن بحلول 2026. هذه الأرقام التي تتردد باستمرار تشكل قاعدة السرد الرئاسي، لكن هناك خللا ما؛ فإذا كان المنجم قيد التشغيل فعلا، فلماذا تُصاغ كل المعطيات المتعلقة باستغلاله بصيغة المستقبل (خلق 25 ألف منصب شغل مباشر، ونشوء مدينة منجمية ستصبح «والله» ميغابوليس)؟ حتى الآن، لا يوجد شيء.
ما يسكت عنه التواصل الرسمي هو أن حجم المكمن لا يعكس مردوديته. فمنذ أكثر من ستين عاما، عرف هذا الموقع بعيب جوهري حُدد منذ الحقبة الاستعمارية وأكدته أبحاث جامعية جزائرية عديدة، وهو النسبة العالية جدا لمادة الفوسفور في المعدن.
تشريح وهم مكلف جدا
تشير البيانات التقنية المتاحة إلى نسبة فوسفور تقارب 0.8%، بينما تتطلب المعايير الدولية لصناعة حديد وصلب ذات جودة نسبا تقل عن 0.02%. الفجوة شاسعة، فمعدن غار جبيلات يتجاوز المعايير المطلوبة بنحو أربعين مرة. هذا ليس عيبا هامشيا، بل هو عائق هيكلي.
يؤدي الوجود المفرط للفوسفور إلى إضعاف الفولاذ إذا لم يتم التخلص منه، مما يفرض عمليات إزالة معقدة ومستهلكة للطاقة ومكلفة للغاية. وهذا هو السبب بالضبط الذي جعل فرنسا الاستعمارية والحكومات الجزائرية المتعاقبة بعد الاستقلال، رغم حاجتها للعملة الصعبة، لا تعتبر الاستغلال مجديا اقتصاديا لأكثر من ستة عقود.
تضاف إلى هذا العائق تكاليف لوجستية ضخمة؛ إذ يجب نقل المعدن عبر قرابة 1000 كيلومتر من السكك الحديدية عبر الصحراء وصولا إلى الشبكة الوطنية وموانئ الشمال، وتحديدا وهران. وهذا يتطلب بناء وصيانة الخط الذي دشن حديثا في ظروف مناخية قاسية، فضلا عن استثمارات ضخمة في الطاقة والماء والبنى التحتية الصناعية.
تتحدث التقديرات الرسمية عن استثمارات تتراوح بين 12 و15 مليار دولار على مدى 8 إلى 10 سنوات، لكن على أرض الواقع، يجب توقع ضعف هذا الرقم على الأقل، ليشمل خط السكة الحديدية، ومنشآت المعالجة، والبنى التحتية الطاقية والمائية، تضاف إليها تكاليف تشغيل سنوية مرتفعة جدا، خاصة في المراحل الأولى.
حتى في السيناريوهات المتفائلة، يبدو استرداد الاستثمارات بعيد المنال، حيث تشير التوقعات الرسمية إلى أفق 2029-2030، بينما ترى تحليلات مستقلة أن الربح الصافي السنوي للجزائر قد لا يتعدى بضع مئات الملايين من الدولارات، وهو عائد هزيل بالنظر للأموال المستثمرة.
ومن الخيارات التي تُطرح في الكواليس، خلط المعدن المحلي رديء الجودة بمعدن مستورد أكثر غنى وأقل فوسفورا للحصول على منتج قابل للبيع. استراتيجية كهذه ستحول مشروعا يهدف لتقليص التبعية للخارج إلى آلية مكلفة للاستيراد الدائم. كل هذا من أجل ذلك؛ إنه أسلوب تبون الخالص: خطوة للأمام، وثلاث خطوات للوراء.
مهما كان الثمن
إذا كان مشروع غار جبيلات يتقدم رغم هذه الحقائق التقنية والاقتصادية، فذلك لأن وظيفته الأساسية سياسية. لقد أصبح المشروع علامة مسجلة للعهدة الرئاسية، وعنصرا في حصيلة يجب استعراضها مهما كان الثمن. وفي سياق من العزلة الدبلوماسية والإخفاقات الاقتصادية والانهيار الاجتماعي، يعمل المنجم كـ«رواية تعويضية».
كما تثير حكامة المشروع تساؤلات ثقيلة؛ فمذكرات تقنية داخلية يؤكد الصحفي محمد سيفاوي حيازتها، تشير إلى إجراءات استثنائية وقرارات اتخذت مباشرة من أعلى مستوى، دون احترام المسارات التنظيمية المعتادة. فمنح مشروع السكة الحديدية بشار–تندوف–غار جبيلات لمجمع صيني بمبلغ 3.9 مليار دولار تقرر، حسب المصدر، دون تقييم تنافسي رسمي أو تحليل دقيق للتكاليف.
وتتحدث هذه الوثائق أيضا عن تضخيم هائل في التكاليف؛ حيث فُوتر سعر السكك بنحو 4800 دولار للطن، بينما يقارب السعر المرجعي في السوق الدولية 730 دولارا، أي بزيادة تصل إلى ستة أو سبعة أضعاف، مما يعيد للأذهان الانحرافات التي شهدها الطريق السيار شرق–غرب أو جامع الجزائر الكبير. كل هذا، مع وجود محمد تبون، نجل الرئيس، كصاحب مشروع.
في هذا السياق، يظهر تجريم الانتقادات كعرض إضافي للأزمة؛ حيث بعث اختطاف واعتقال جلول سلامة، الخبير الاقتصادي الذي اكتفى بالتذكير بالأرقام والتكاليف وآفاق المردودية، إشارة واضحة: النقاش التقني حول غار جبيلات ممنوع، وأي محاولة للتحليل تعتبر تهديدا، بل وصل الأمر بالنظام إلى البحث لجلول سلامة عن أصول مغربية، كنوع من «التدنيس» النهائي.
كان من المفترض أن يكون غار جبيلات رمزا للاستفاقة الصناعية الجزائرية، لكنه بصدد التحول إلى رمز لسلطة تستبدل التحليل بالتواصل، والاستدامة بالاستعراض، والاقتصاد الحقيقي بالرواية. قد يخرج الحديد يوما ما من الصحراء، لكن بأي ثمن؟ المليارات، مثلها مثل مستقبل البلاد. والقطار الأول الذي يُفترض أنه انطلق قبل أسبوع من هذا المنجم، لم يصل بعد إلى وهران. وهذا يختصر كل شيء.








