إن السرور بمصيبة الغير، سلوك ترفضه الروح الرياضية وتأباه النفس السوية، لكنه تحول في بعض الأوساط الإعلامية والصفحات الجزائرية إلى موقف مبدئي يستحق التباهي. لقد سارع العشرات إلى التهليل والتطبيل، مفسرين الحادثة على أنها «إنقاذ عظيم»، وكأن اللاعب الكولومبي لويس دياز لم يتسبب بإصابة لاعب، بل «أنقذ الأمة الجزائرية من خطرٍ مغربي» كان يهددها! هذا المستوى من العبث، يضع الأهداف الوطنية المزعومة في مرتبة لا تتجاوز ركبة لاعب مصاب.
«وسام الشرف» لدياز
لم يكتف المتحمسون بتعليقات عابرة؛ لقد انخرطوا في «سباق تسلح بالوقاحة» وتفننوا في تأليه الجلاد. وصل الأمر إلى حد اجتراح السخرية السوداء، حينما تداولت إحدى الصفحات صورة مركبة تظهر الرئيس عبد المجيد تبون وهو يمنح «وسام الشرف» للكولومبي لويس دياز، مُرفقة بعبارة «تستحق كل خير أيها العزيز»، وكأن «الخير» لا يتحقق إلا بالتسبب في أذى الآخرين.
عبارة «من الجزائر… شكرا لويس دياز» التي انتشرت كالنار في الهشيم، تختصر مشهدا كاملا من التفويض المطلق لمشاعر العداء، وكأن دياز قام بعمل بطولي يستوجب التقدير من «المؤسسة الشعبية».
لقد تحولت صفحات التواصل الاجتماعي إلى منصة لإطلاق حملة تضامن مع المتسبب في الأذى، وهي سابقة فريدة في تاريخ التنافس الرياضي، مؤكدة أن الهدف هنا ليس المنافسة الشريفة، بل التشفّي المقيت.
حكيمي.. «مُسكّن الآلام» للنظام العسكري
يكشف هذا الاندفاع الهستيري للفرح بإصابة لاعب مغربي، بطريقة ساخرة ومؤلمة في آن واحد، عن أزمة عميقة تعيشها «دولة العسكر» التي تسيطر على البلاد. هذه الشماتة ليست مجرد مشاعر غضب رياضي، بل هي «صيحة يائسة» تحاول إيجاد أي نقطة ضوء أو فرح في واقع مرير لم يعد يسمح بابتسامة حقيقية.
فالشعب الذي لم ينعم بـ «فرحة الإنجاز» منذ زمن طويل، بسبب التخبط السياسي والسياسات الفاشلة للنظام المستولي على الحكم منذ عقود، وجد في مصيبة الجار «مُسكّن آلام» مؤقتا.
في ظرف أسبوع واحد، تلقت بلاد «القوة الضاربة» صفعتين مؤلمتين في الساحة الدولية: الأولى كانت عبر خطوة البرلمان الفرنسي نحو إلغاء اتفاقية 1968 التي تمنح امتيازات خاصة للجالية الجزائرية، والثانية كانت الضربة القاضية من الأمم المتحدة، باعتماد مجلس الأمن للقرار التاريخي 2797 الذي يكرس خطة الحكم الذاتي للصحراء تحت السيادة المغربية، مدعوماً من الأمم المتحدة.
عندما تتلقى دولة كل هذه النكسات المتتالية، وتفشل في تحقيق أي نصر داخلي أو خارجي، يصبح «بكاء حكيمي» هو الحدث «الإيجابي الوحيد» الذي يمكن الاحتفال به. إنها قمة المأساة حين يصبح الشغف الوطني محصورا في الاستمتاع بآلام الجار بدلاً من بناء مجد الذات.
نظام مفلس على جميع الأصعدة
في خضم هذا المشهد العبثي، حيث تُرسم الابتسامة على وجوه البعض بمسحة الألم التي تعتري آخرين، يظل السؤال معلّقا: ما هو الثمن الحقيقي لهذه «الفرحة المستعارة»؟ إنها ليست مجرد شماتة في لاعب، بل هي إفصاح واضح عن «إفلاس الإنجاز» الذي دفع ببعض الأوساط إلى البحث عن النصر في عكاز الجار المصاب.
وبينما ينشغل النظام العسكري بتوجيه بوصلة الشعور الوطني نحو «سعادة الإيذاء»، والتغني بـ«بطولة لويس دياز» المزعومة، يواصل المغرب بناء مؤسساته الرياضية والدبلوماسية، مدعوما بقرارات أممية تكرس سيادته، وبمواهب عالمية ترفع علمه عاليا. وفي نهاية المطاف، سيُشفى حكيمي ويعود قويا إلى الملعب، أما «مرض الشماتة» الذي ضرب تلك النفوس، فسيبقى علامة فارقة ودليلا دامغا على أن الخسارة لا تكمن دائما في نتيجة المباراة، بل في طريقة الاحتفال بآلام الآخرين.




