الجزائر: غضب حقوقي بسبب «إعدام» النظام لجمعية ضحايا الاختفاء القسري خلال العشرية السوداء

السلطات الجزائرية أقدمت على إغلاق وتشميع مقر جمعية عائلات المفقودين «SOS Disparus» بالجزائر العاصمة، في خطوة تصعيدية تعكس ضيق صدر النظام الجزائري من العمل الحقوقي المستقل

في 21/03/2026 على الساعة 13:47

أقدمت السلطات الجزائرية على إغلاق وتشميع مقر جمعية عائلات المفقودين «SOS Disparus» بالجزائر العاصمة، في خطوة تصعيدية تعكس ضيق صدر النظام الجزائري من العمل الحقوقي المستقل. وجاء هذا الإجراء لينهي أكثر من عقدين من الصمود لجمعية نذرت نفسها لخدمة ضحايا الاختفاء القسري، وسط إدانات دولية واسعة تفضح التناقض الصارخ بين الخطاب الدبلوماسي الرسمي للنظام وممارساته القمعية على أرض الواقع.

استند قرار ولاية الجزائر العاصمة لإقبار جمعية «SOS Disparus» إلى مبرر «ممارسة نشاط غير مرخص»، وهي الحجة القانونية الواهية التي وظفها نظام العسكر على مدى عقود لخنق المجتمع المدني المستقل. فمنذ تأسيس الجمعية عام 2001، تعمدت السلطات حرمانها من وصل التسجيل القانوني، في «فخ إداري» يهدف إلى إبقاء عملها تحت سيف التهديد الدائم، رغم أن المقر ظل لأكثر من 25 عاما فضاء مفتوحا لاستقبال عائلات ضحايا الاختفاء القسري.

ويرى مراقبون أن هذا التوظيف السياسي للقانون رقم 12-06 المتعلق بالجمعيات يهدف بالأساس إلى خنق الفضاءات المدنية التي ترفض الرواية الرسمية لملف «العشرية السوداء». فبينما يتمسك نظام العسكر بـ«ميثاق السلم والمصالحة الوطنية» كأداة لطي صفحة الماضي دون محاسبة، تصر الجمعية على أن الحق في الحقيقة لا يسقط بالتقادم، وهو ما جعلها في مرمى الاستهداف الدائم.

عزل العائلات.. عنف مؤسساتي بزي رسمي

تجاوزت عملية التشميع، التي نفذتها قوة أمنية كبيرة، الجانب الإداري لتمس العمق الإنساني للقضية. فالجمعية وصفت القرار بأنه شكل من أشكال «العنف المؤسساتي» الذي يستهدف إرجاع عائلات المفقودين إلى مربع العزلة والتهميش. لقد كان المقر طوال سنوات بمثابة المتنفس الوحيد للأمهات والزوجات اللواتي فقدن ذويهن خلال العشرية السوداء، حيث يجدن الدعم النفسي والقانوني والتوثيق لمآسيهن.

وبإغلاق هذا الفضاء، تسعى السلطات الجزائرية إلى إسكات الأصوات التي تذكر العالم بآلاف المختفين قسريا، وتحويل معاناتهم من قضية رأي عام وطني ودولي إلى مآس فردية صامتة خلف الأبواب المغلقة، مما يعد انتهاكا صارخا للحق في التجمع والتعبير الذي تكفله المواثيق الدولية.

نصيرة ديتور.. رمزية النضال في مواجهة الإقصاء

هذا التضييق لم يبدأ بتشميع مقر الجمعية، بل سبقته إجراءات انتقامية طالت أيقونة النضال الحقوقي نصيرة ديتور، رئيسة جمعية SOS Disparus. ففي يوليوز الماضي، تعرضت ديتور لترحيل قسري من مطار الجزائر نحو باريس، ومنعت من دخول وطنها دون مبررات قانونية.

لقد تحول الألم الشخصي لديتور، التي فقدت ابنها أمين عام 1997، إلى مشروع نضالي دولي نجح في إيصال ملفات آلاف المفقودين إلى الهيئات الأممية بجنيف. هذا النجاح الحقوقي الدولي هو ما دفع النظام إلى الانتقام عبر سياسة «الأرض المحروقة» إداريا، من خلال حجب الموقع الإلكتروني للجمعية وتشميع مقرها، ظنا منه أن إغلاق الأبواب سيمحو شهادات الضحايا المودعة في سجلات الأمم المتحدة.

وتجسد حالة ديتور، التي تقود أيضا الاتحاد الأورو-متوسطي ضد الاختفاء القسري، ذروة التناقض الجزائري؛ ففي الوقت الذي تدعي فيه السلطات الانفتاح والالتزام بالحقوق المدنية أمام المحافل الأممية، تمارس سياسة الإقصاء والمنع ضد المدافعين عن حقوق الإنسان الذين نجحوا في تدويل ملف الاختفاء القسري والوصول به إلى أروقة الأمم المتحدة.

إدانات دولية تفضح «ازدواجية» الخطاب

خلف قرار الإغلاق موجة من الاستنكار الدولي؛ حيث اعتبرت منظمة العفو الدولية الخطوة «ضربة مدمرة» للعدالة، فيما عبرت الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان عن قلقها من « تدمير أرشيف وذاكرة الضحايا».

ولم تكن المنظمة المغربية لحقوق الإنسان ببعيدة عن هذا السياق، إذ أدانت ما وصفته بـ«الانتهاك الصريح للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية».

وفي سياق متصل، نددت منظمة «شعاع» لحقوق الإنسان بهذا التطور معتبرة إياه «تضييقا جديدا على الحقيقة والعدالة».

وأكدت المنظمة أن هذه الإجراءات، التي تزامنت مع طرد نصيرة ديتور، تعد مؤشرا خطيرا على «تنامي مناخ التضييق على المجتمع المدني وتقليص هوامش نشاطه».

وعبرت المنظمة الحقوقية الكائن مقرها في لندن عن مخاوفها الجدية بشأن «مستقبل العمل الحقوقي المستقل -في الجزائر- وقدرة الفاعلين المدنيين على مواصلة الدفاع عن حقوق الضحايا وعائلاتهم في ظل تغول الرؤية الأمنية».

كما خلف القرار أيضا استنكارا في أوساط ناشطين حقوقيين في الجزائر وخارجها، حيث اعتبروا أن لجوء النظام إلى «سياسة المنع» لتكميم أفواه الحقوقيين والحقوقيات الذين يطالبون فقط بمعرفة مصير ذويهم، يبرهن مجددا على أن هذه السلطة الدكتاتورية لا تتقن سوى لغة القمع والترهيب لمواجهة الحقائق الدامغة.

ويرى منتقدون عبر تعليقات في مواقع التواصل الاجتماعي أن تشميع مقر جمعية عائلات المفقودين هو «محاولة بائسة لفرض صمت قسري على جرح لم يندمل، وإجبار الأصوات الحرة على الانزواء بعيدا عن فضح ممارسات نظام يقتات على تغييب العدالة وتزوير التاريخ»، مؤكدين أن الحقيقة التي يخشاها جنرالات المرادية تظل أقوى من جدران الزنازين وأختام الشمع الأحمر؛ فإرادة العائلات في كشف مصير أحبائها لن يكسرها بطش سلطة اختارت الهروب إلى الأمام عبر تكريس «العنف المؤسساتي» كمنهج وحيد للحكم.

تحرير من طرف ميلود الشلح
في 21/03/2026 على الساعة 13:47