قصة انحراف جسيم: تبون أو إغواء الولاية مدى الحياة التي تهدد «النظام» برمته

Le président algérien Abdelmadjid Tebboune.

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون

في 08/01/2026 على الساعة 18:54

تحت المسمى المضلل «تعديل تقني» للدستور، يحاول الرئيس الجزائري تمديد ولايته حتى عام 2031، عبر الالتفاف على الاستفتاء الشعبي واستغلال الثغرات الإجرائية في النص الأساسي. هذه المناورة، التي تكشف عن انحراف سلطوي معلن، تثير غضب القيادة العسكرية العليا وتنبئ بأزمة سياسية كبرى، في بلد لا يزال يعاني من صدمة الحراك وانهيار نظام بوتفليقة.

تعيش الجزائر في بداية عام 2026 حالة من التشبع السياسي، وتمر بمرحلة قد تؤدي إلى انهيار «قصر الرمال» الذي يقوم عليه «النظام»، حيث لم تعد الواجهات القانونية الزائفة تخفي صراع السلطة في هرم الدولة. وما تقدمه الرئاسة على أنه مجرد «تعديل تقني» للدستور، يكشف عند فحص الوقائع عن محاولة للاستحواذ على السلطة عبر تمديد اصطناعي للولاية الرئاسية. ويبدو أن عبد المجيد تبون، الذي وصل إلى السلطة في سياق أزمة شرعية عميقة عام 2019، قد استسلم اليوم للإغواء الذي أطاح بالعديد من الأنظمة السلطوية: تحويل الدستور إلى أداة شخصية للبقاء السياسي.

المنطق معروف ومكرر؛ فعندما يعجز نظام ما عن تجديد نفسه، ويخشى التداول على السلطة والمحاسبة الشعبية، فإنه يتوقف عن احترام روح القانون الأساسي ولا يحتفظ منه إلا بالثغرات القابلة للاستغلال. وفي هذا الصدد، تندرج خطوة تبون تماما ضمن تقاليد الأنظمة السلطوية حيث تصبح دولة القانون مجرد وهم إداري، ويكون الاستقرار المزعوم ذريعة للجمود السياسي.

بدأ كل شيء رسميا في 21 دجنبر 2025، حين أعلنت الرئاسة عن عقد مجلس للوزراء يتضمن جدول أعماله مشروع قانون يتعلق بـ«تعديل تقني للدستور». أثار هذا التعبير الريبة فور صدوره، فالقانون الدستوري لا يعرف مفهوما يسمى «تعديلا تقنيا»، بل هو إما تعديل دستوري أو مراجعة دستورية. هذا الاختيار اللغوي ليس بريئا، بل يهدف إلى التقليل من شأن الخطوة وتصويرها كإجراء بسيط، بينما تتعلق المسألة في جوهرها بمدة الولاية الرئاسية.

في ختام هذا المجلس، أعلنت الرئاسة تأجيل دراسة هذا التعديل بهدف «تعميق دراسة النص والحفاظ على المكتسبات الديمقراطية»، هذا إن كانت موجودة أصلا. والواقع أن النص الدستوري لم يتم نقاشه، والأكثر دلالة كان غياب سعيد شنقريحة، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي ونائب وزير الدفاع، عن هذا المجلس. وفي نظام يشكل فيه الدستور حجر الزاوية في الميثاق الضمني بين السلطة المدنية والمؤسسة العسكرية، كان هذا الغياب لافتا.

وفي 30 دجنبر 2025، ألقى عبد المجيد تبون خطابا أمام غرفتي البرلمان، حيث غابت القيادة العسكرية مجددا، باستثناء قائد الحرس الجمهوري لأسباب بروتوكولية بحتة. وفي اليوم التالي، لم تحظ تهاني سعيد شنقريحة للسلك العسكري إلا بتغطية ضئيلة من إعلام النظام. هذه العناصر مجتمعة ترسم ملامح شرخ في قمة الدولة: تبون يريد الاستمرار، والجيش يريد منعه.

خطة مضادة

لفهم الرهان الحقيقي، يجب العودة إلى النص الدستوري. دستور 2020 يؤطر بدقة آليات مراجعته؛ إذ تفرض المادتان 219 و220 إجراءات معقدة تبدأ بمبادرة رئاسية، ثم تصويت غرفتي البرلمان، والأهم من ذلك خضوعها للاستفتاء الشعبي. وتجعل المادة 222 من الشعب الحكم النهائي في أي تعديل، كما تضع خطوطا حمراء لا يمكن تجاوزها، منها الطابع الجمهوري للدولة، وثوابت الهوية، وتحديد الولايات الرئاسية بعهدتين فقط مدة كل منهما خمس سنوات، وهي مواد غير قابلة للمراجعة.

هذا القفل هو ما لا يستطيع تبون كسره بشكل مباشر. وبحسب ما كشفه الصحفي الجزائري عبدو سمار، تعتمد استراتيجية الرئيس على الالتفاف على الدستور دون تعديله صراحة. وترتكز المناورة على المادة 221 التي تسمح بمراجعة الدستور دون استفتاء إذا قررت المحكمة الدستورية أن المشروع لا يمس المبادئ العامة أو توازن السلطات، وبشرط موافقة أغلبية ثلاثة أرباع أعضاء البرلمان. وبما أن رئيسة المحكمة الدستورية، ليلى عسلاوي، وجزءا كبيرا من الجهاز التشريعي مدينون بمسارهم المهني لرئيس الدولة، فإن الأمر يبدو محسوما سلفا.

الحيلة ذكية لكنها خطيرة؛ فتبون لا يسعى لولاية ثالثة مستحيلة قانونيا، بل يهدف لإضافة سنتين لولايته الحالية بحجة حسابية: اعتبار سنته الأولى (ديسمبر 2019 - ديسمبر 2020) سنة انتقالية تحت دستور 2016، بينما تم تقليص سنته الأخيرة بتنظيم انتخابات مبكرة في شتنبر 2024. والخلاصة الجاهزة هي أن ولايته كانت «ناقصة» ويجب «إعادة توازنها» لتستمر حتى 2031.

وبحسب سمار، ترافق هذه المناورة تعديلات أخرى تهدف لتثبيت التقويم السياسي، منها إلحاق السلطة المستقلة للانتخابات بوزارة الداخلية، وتمديد عهدة البرلمانيين، وتأجيل الانتخابات التشريعية.

«جمهورية الموز»

لكن هذا الهروب إلى الأمام يصطدم بعقبة رئيسية هي الجيش. فالمؤسسة العسكرية، التي تأثرت بأزمة 2019 وانهيار نظام بوتفليقة، ترفض مباركة انتهاك جديد للدستور. بالنسبة للجيش، الرهان ليس ديمقراطيا بل هو رهان يتعلق ببقاء النظام؛ فالتمديد الاصطناعي قد يشعل الشارع مجددا ويعيد أشباح الحراك، ويضع الجيش مرة أخرى في مواجهة مباشرة مع احتجاجات شعبية عارمة.

ويرى المحلل السياسي محمد سيفاوي أن هدف تبون الحقيقي هو التثبيت التدريجي لـ«رئاسة مدى الحياة» على خطى بوتفليقة، عبر مراجعات متتالية وشخصنة مفرطة للسلطة. وفي هذه القراءة، قد يقبل الجيش بتبون كواجهة مدنية للنظام، لكنه يرفض تحوله إلى «ملك جمهوري».

حتى الآن، لم يتحول الصراع بين الرئاسة والأركان إلى مواجهة مفتوحة، بل يتخذ شكل «حرب إشارات»: غيابات ملحوظة، صمت إعلامي، وتراجعات تشريعية. لكنه يكشف عن تضارب عميق في المصالح؛ تبون يسعى لحماية سلطته الشخصية، والجيش يسعى لحماية بقاء النظام ككل.

وفي ظل توترات اجتماعية وتضخم مستمر وتراجع القدرة الشرائية، تعمل هذه الأزمة في القمة كمسرع للمخاطر. فإذا أصر الرئيس على منطقه الذاتي بالبقاء مهما كان الثمن، فقد يعجل بانهيار التوازن الهش للنظام. لقد أظهر تاريخ الجزائر الحديث أن الأنظمة لا تسقط بفعل الشعوب فحسب، بل بفعل عمى أولئك الذين يرفضون الرحيل في الوقت المناسب. وفي عام 2031، سيكون عمر عبد المجيد تبون 86 عاما.. وهذا يختصر كل شيء.

تحرير من طرف طارق قطاب
في 08/01/2026 على الساعة 18:54