إن احتياطيات الجزائر من المحروقات في طريقها نحو النفاد، حيث يتزامن تراجع الحقول التقليدية مع تزايد الاستهلاك المحلي. وتجد البلاد نفسها أمام وضع غير مريح للغاية جراء اتجاهين ثقيلين:
- تراجع الإنتاج بنسبة 3.3% لمجموع المحروقات خلال سنة 2025، منها 17.5% في الغاز الطبيعي.
- ارتفاع الاستهلاك الداخلي، مما يؤدي آليا إلى تقليص الأحجام الموجهة للتصدير.
بدأ هذا التراجع الهيكلي منذ عام 2011، ومنذ ذلك الحين، يسير المنحنى التنازلي بانتظام، مدفوعا بعاملين:
- تقادم الحقول، وعلى رأسها حقل «حاسي مسعود» الذي يشهد تراجعا رغم تقنيات الاسترجاع المدعمة.
- انخفاض وتيرة الاستكشاف، مما يعني غياب اكتشافات كبرى تعوض التراجع الطبيعي للحقول التاريخية.
ونتيجة لذلك، انخفض متوسط الإنتاج النفطي من حوالي 1.25 مليون برميل يوميا في العقد الأول من الألفية إلى نحو 0.95 مليون برميل يوميا في سنوات 2020.
ولا يجب إغفال أن المحروقات تمثل قرابة 95% من الصادرات وحوالي 60 إلى 70% من ميزانية الدولة، مما يجعل البلاد رهينة لتقلبات السوق الدولية. ومع بقاء أسعار النفط دون مستوى 70 دولار للبرميل في 2026، سيصبح الوضع الاقتصادي القائم على الريع غير قابل للاستمرار.
«إذا أرادت الجزائر الاستمرار في التصدير وضمان تدفق العملة الصعبة، فعليها تنويع اقتصادها، وهو ما كان يجب القيام به منذ عقود»
— برنارد لوغان
أمام هذا الواقع، تبرز الحاجة الملحة لجذب مستثمرين جدد لبعث عمليات التنقيب وتحديث القطاع، وإلا فإن الإنتاج سيستمر في التآكل. لقد أصبحت الجزائر الآن في مواجهة الحائط، وهي مجبرة على بناء اقتصاد يمكنه البقاء بعيدا عن التبعية للمحروقات. ورغم أنها ستظل قادرة على تصدير النفط والغاز بعد عشر أو عشرين سنة، إلا أن ذلك سيكون بظروف وأحجام مختلفة تماما عما هي عليه اليوم.
وإذا أرادت الجزائر الاستمرار في التصدير وضمان تدفق العملة الصعبة، فعليها تنويع اقتصادها، وهو ما كان يجب القيام به منذ عقود، إضافة إلى تطوير قطاع التنقيب في أعالي البحار (الأوفشور)، والتوجه نحو الغاز الصخري والموارد غير التقليدية رغم استهلاكها الكبير للمياه، لمحاولة تعويض نقص الإنتاج.
كما سيتعين عليها الاعتماد على مزيج طاقي يطور الطاقات المتجددة والاستثمار في الهيدروجين الأخضر، لتحرير كميات إضافية للتصدير مع تغطية الطلب المحلي.
ويظهر تحليل موضوعي أن مستقبل المحروقات الجزائري، ومعه استقرار البلاد، رهين بثلاث فرضيات:
الفرضية الأولى: استمرار الاتجاه الحالي
تراجع مستمر وتدريجي للإنتاج (بين 2 و3% سنويا)، مع ارتفاع الاستهلاك الداخلي (بين 3 و4% سنويا) وغياب اكتشافات كبرى.
النتيجة:
- تراجع أحجام التصدير فعليا بدءا من سنوات 2030.
- نهاية تصدير النفط بحلول سنوات 2035-2040.
- نفاد الغاز الموجه للتصدير في غضون سنوات 2040-2045.
الفرضية الثانية: إنعاش الاستكشاف
فتح شراكات جديدة، التحكم في الاستهلاك الداخلي، واكتشاف حقول جديدة تضمن استقرار الإنتاج الحالي.
النتيجة:
- إمكانية الحفاظ على الصادرات حتى عام 2045-2050.
الفرضية الثالثة: غياب الإجراءات الهيكلية
تسارع الانهيار مع تراجع الإنتاج بنسبة تتراوح بين 4 و6% سنويا، واستهلاك داخلي غير متحكم فيه لصعوبة المساس به لاعتبارات اجتماعية.
النتيجة:
- توقف صادرات النفط بدءا من 2030-2035.
- تراجع حاد في صادرات الغاز بحلول 2035-2040.
إن الجزائر تعيش وضعا يتسم بالهشاشة القصوى بسبب تراجع الإنتاج وارتفاع الطلب، في ظل ميزانية مرتهنة بالكامل للمحروقات ومجتمع يعتمد على الدعم. ومن هنا تبرز شبه استحالة القيام بالإصلاحات الهيكلية الضرورية، ما لم تتم المخاطرة بحدوث زلزال سياسي قد يطيح بـ«النظام». وهذا الأخير لا ينوي الانتحار.

