إقالة محافظ بنك الجزائر.. تبون يضحي بـ«كبش فداء» لتغطية عجز السياسات الارتجالية

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون

في 05/01/2026 على الساعة 17:34

أنهى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مهام محافظ بنك الجزائر، صلاح الدين طالب، بعد ثلاث سنوات فقط من تعيينه، في خطوة لم تكن مفاجئة للمتابعين للشأن الاقتصادي الجزائري، لكنها أعادت طرح تساؤلات جوهرية حول جدوى تغيير الأشخاص مع استمرار «العقلية» نفسها التي تسير المفاصل المالية للبلاد. وبينما تم تعيين نائبه معتصم بوضياف محافظا بالنيابة، يرى مراقبون أن هذه الإقالة ليست سوى محاولة لتقديم «كبش فداء» لامتصاص غضب الشارع وتبرئة السلطة السياسية من سلسلة قرارات عشوائية أحدثت ارتباكا غير مسبوق في الأسواق المالية لبلاد «القوة الضاربة».

وكشف قرار إقالة محافظ بنك الجزائر، صلاح الدين طالب، مرة أخرى عن عمق الارتباك الذي يطبع تسيير الشأن المالي في البلاد الغنية بالنفط والغاز، وهو القرار الذي لم يخرج في جوهره عن سياسة «امتصاص الصدمات» عبر التضحية بالمسؤولين بدل مراجعة النهج.

قرارات متخبطة

كانت التعليمة الصادرة في 22 دجنبر 2025، والمتعلقة بمنع الإيداع النقدي في الحسابات التجارية دون إثبات المصدر، هي الشعرة التي قصمت ظهر المحافظ المُقال.

هذا القرار، الذي كان يهدف نظريا إلى مكافحة تبييض الأموال، اصطدم بواقع اقتصاد يعتمد بشكل شبه كلي على السيولة النقدية أو ما يعرف بـ«الشكارة». والمثير للدهشة هو السرعة التي تم بها إلغاء هذا القرار فور إقالة طالب، حيث صدرت مذكرة جديدة يوم 4 يناير 2026 تعيد العمل بالإجراءات السابقة.

هذا «التراجع» السريع يعكس عمق التخبط؛ فإما أن القرار الأصلي كان ارتجاليا ولم يدرس تداعياته على الموزعين والشركات، أو أن الإقالة كانت مخرجا سياسيا للتنصل من تبعات فشل السلطة في استقطاب 90 مليار دولار تتداول في السوق الموازي.

تعميق العزلة المالية

لم تكن أزمة «الكاش» وحدها وراء الإطاحة بطالب، بل تراكمت ملفات أظهرت عجز البنك المركزي عن حماية الاقتصاد، حيث فشل في ضبط ملف «منحة السفر» الذي كبد الخزينة خسائر تجاوزت مليار يورو سنويا بسبب عمليات التهريب نحو السوق السوداء، بالتزامن مع بقاء الجزائر ضمن «القائمة الرمادية» لمجموعة العمل المالي «غافي»، وهو ما أضر بسمعة النظام المصرفي دوليا.

كما عمق بقاء الجزائر ضمن «القائمة الرمادية» لمجموعة العمل المالي «غافي» من عزلة النظام المصرفي دوليا، في وقت دقت فيه تقارير البنك الدولي ناقوس الخطر بشأن تآكل الاحتياطيات الأجنبية وتراجع الهوامش المالية، مما وضع المحافظ المُقال في مواجهة مباشرة مع فشل سياساته في إدارة التضخم وامتصاص الصدمات الاقتصادية الخارجية.

سياسة تغيير الأشخاص دون العقليات

تثبت لغة الأرقام أن منصب محافظ بنك الجزائر بات مثل «كرسي قاذف» لا يكاد يجلس عليه مسؤول حتى تتم إقالته؛ فمنذ رحيل محمد لكصاسي في عام 2016، الذي أمضى 15 عاما في المنصب، لم يعمر المتداولون على كرسي محافظ بنك الجزائر طويلا، ومنهم محمد لوكال (2016 - 2019) الموجود في السجن في قضية فساد، والذي شغل أيضا منصب وزير المالية. وعين صلاح الدين طالب محافظا لبنك الجزائر في ماي 2022، خلفا لرستم فاضلي، الذي لم يقض بدوره في المنصب سوى 3 سنوات.

إن التضحية بصلاح الدين طالب اليوم، كما حدث مع سابقيه، تشير إلى أن النظام يفضل تغيير «الواجهة» بدل تغيير «المنهجية». فالمشكلة لا تكمن في هوية المحافظ بقدر ما تكمن في القرارات المتسرعة التي تفتقر للتنسيق الميداني مع الفاعلين الاقتصاديين والاعتماد المفرط على ريع المحروقات دون بدائل هيكلية حقيقية.

وعي شعبي يكشف «المستور»

عكست ردود الأفعال الشعبية على منصات التواصل الاجتماعي وعيا لافتا بطبيعة التحركات السياسية الأخيرة، حيث لم تخل تعليقات الجزائريين من السخرية الممزوجة بالألم، مؤكدة أن الشارع الجزائري لم يعد تنطلي عليه سياسة تغيير الواجهات.

وفي هذا السياق، كتب محمد سلطاني على إعلان صفحة الرئاسة الجزائرية بمنصة فيسبوك، لخبر الإقالة، تعليقا بلغة متهكمة: «شكرا سيدي الرئيس على توفير الخبز والكهرباء والماء، والحقيقة أننا لا نهتم لما وصلت له بعض الدول العربية من تطور سواء في البنية التحتية أو في مجالات أخرى، حنا جزائريين ويكفينا الخبز والماء.. حنا قوة ضاربة»، وهو تعبير يعكس حجم الهوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش.

من جانبه، شدد صامد خليف على أن «الأزمة أعمق من مجرد مناصب»، معتبرا أن البلاد بحاجة إلى «تغيير الذهنيات وليس الأشخاص»، وهو ما ذهب إليه أيضا خالد عطور الذي أكد أنه «مهما تغيرت المناصب فالذهنيات واحدة».

ولم تغب المعاناة اليومية عن التفاعلات، حيث أشار شعيب شايا بمرارة إلى أن «الفاتورة يخلصها الزوالي»، في إشارة إلى المواطن البسيط الذي يجد نفسه دائما في مواجهة تبعات القرارات العشوائية للنظام العسكري.

وفي تحليل أكثر تفصيلا للوضع الاجتماعي، لفتت المواطنة خولة كوكي إلى أن المشكلة ليست في تغيير الوجوه وإنما في «إيجاد حل حقيقي لما يحدث، والضحية كالعادة المواطن البسيط»، موضحة أن الزيادات في الأجور يقابلها زيادات غير معقولة في الأسعار، حتى «أصبح من الصعب على الجزائري شراء سيارة وبيت».

أما مراد شابي، فقد اختصر المشهد بانتقاد لاذع لسلسلة المراسيم المتكررة قائلا: «أنهى، عين، نصب.. يجب إعادة النظر في سياسة الدولة يا سيادة الرئيس رنا داخلين في حيط.. اتقوا الله في هذه البلاد»، وهي صرخة تجسد حالة القلق الشعبي من استمرار نهج «إدارة الأزمات» بالمسكنات الإدارية بدل الإصلاحات الجوهرية.

تحرير من طرف ميلود الشلح
في 05/01/2026 على الساعة 17:34