هدية تبون للجزائريين في رأس السنة: «جرعة» زائدة من الكذب العابر للقارات

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال إلقائه خطابا أمام النواب وأعضاء مجلس الأمة الجزائري يوم الثلاثاء 30 دجنبر 2025

في 01/01/2026 على الساعة 21:18

فيديوفي خطاب مطول أمام البرلمان يوم الثلاثاء 30 دجنبر، لم يجد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ما يزفه للمواطنين المقهورين بغلاء المعيشة وانغلاق الأفق سوى «بشرى» طبية لا توجد إلا في عالم مواز. الرئيس الذي بدا وكأنه يقرأ من كتاب الأساطير، أعلن أن الجزائر باتت تصنع أدوية معقدة لا تنتجها حتى الدول الكبرى، واضعا بلاده ضمن نادي «الخمسة الكبار» في العالم الذين يمتلكون أسرار هذه الصناعة، والمحتكر الوحيد لصحة البشرية.

اختار الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، وهو يودع سنة ثقيلة على الجزائريين اقتصاديا واجتماعيا، أن يطلق «هرطقة» جديدة لشعب أنهكه غلاء المعيشة وتعاقب القرارات الفاشلة، عبارة عن جرعة إضافية من الخطاب الخيالي الممزوج بكثير من الارتجال وقليل من الحقيقة، خلال خطاب مطول إلى حد الملل ألقاه أمام البرلمان يوم الثلاثاء 30 دجنبر 2025.

تبون، الذي اعتاد في خرجاته الرسمية القفز فوق الوقائع، قرر هذه المرة القفز فوق الجغرافيا نفسها، حين بشر الجزائريين بأن بلادهم تمكنت من تطوير «صناعة أدوية معقدة لا تنتجها حتى بعض الدول الكبرى»، مقدما ذلك كدليل دامغ على «التقدم» الذي بلغته الجزائر في المجال الصحي والصناعي.

ولم يكتف الرئيس الجزائري بهذا القدر من الطمأنة الوهمية، بل أضاف – إمعانا في تضخيم الإنجاز – أن عدد الدول القادرة على تصنيع هذا النوع من الأدوية «لا يتجاوز خمس دول في العالم»، مؤكدا بكل ثقة أن الجزائر توجد ضمن هذا النادي المغلق.

معجزة «دولة قسنطينة»

من بين اللحظات الأكثر طرافة في «الشو الاستعراضي» لتبون، والتي ستظل على الأرجح من العلامات الفارقة في سجل زلات الرئيس، تمثلت في حديثه عن الدول المنتجة للأنسولين، حيث ذكر – حرفيا – «دولة قسنطينة»، في اكتشاف جغرافي غير مسبوق، قوبل بتصفيق حار من نواب الأمة، دون أن يبدو على أي منهم أدنى ارتباك أو محاولة تصحيح، وكأن تحويل مدينة جزائرية إلى دولة مستقلة بات أمرا عاديا في برلمان «الجزائر الجديدة».

وبثقة لا تضاهيها إلا غرابة الأرقام التي يسوقها، زعم تبون أن الجزائر اقتحمت ناديا ضيقا لا يضم سوى خمس دول في العالم تنتج أدوية معقدة. بل وذهب أبعد من ذلك حين ادعى أن بلاده هي «الدولة الوحيدة في العالم» التي تنتج الأنسولين وجهاز الكشف عن السكري معا، معتبرا هذا « الإنجاز» دليلا قاطعا على تطور القطاعين الصحي والصناعي.

ويبدو أن مستشاري الرئيس نسوا إخباره أن شركات مثل «نوفو نورديسك» الدنماركية و«إيلي ليلي» الأمريكية، والشركات العملاقة في ألمانيا والصين واليابان، وحتى الجارة مصر، تنتج هذه المواد منذ عقود. لكن في عالم «الجزائر الجديدة»، يبدو أن العالم يتوقف عن الإنتاج فور تشغيل مصنع في قسنطينة، لتصبح البشرية رهينة «السيادة الصحية» التي يبشر بها تبون.

سخرية مرة و«بهدلة» عابرة للحدود

هذا الادعاء لم يمر مرور الكرام، بل فجر موجة واسعة من السخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة وسط الجزائريين أنفسهم، الذين عبر كثير منهم عن شعور بالحرج مما وصفوه بـ«البهدلة العابرة للحدود».

مثل الكثير من المؤثرين الجزائريين، لم يتردد الرابور لطفي دوبل كانون في تخصيص فيديو ساخر لكذبة تبون الجديدة، بينما أجمع جميع المنتقدين على أن «الرئيس تبون فعلا يعيش في عالم آخر».

وأدان آخرون ما وصفوه بـ«البهدلة» والإحراج الذي طال صورة البلاد بسبب «هرطقات» الرئيس، مؤكدين أن الأمر لم يعد يتعلق بتسويق إنجازات ناشئة، بل بخلط مقصود، أو ربما «دوخة» سياسية، تحول مجرد تعبئة محلية لبلورات مستوردة إلى «ريادة عالمية» تضع الجزائر فوق الجميع.

حين استدل تبون بعمره على «رفاهية» الشعب

تخلل «العرض الكوميدي» لتبون الكثير من الطرائف، أبرزها حين أراد أن يمنح الجزائريين درسا في « فن البقاء»، حيث حاول إقناعهم بأن وضعية البلاد بلغت من الرخاء ما جعل معدل الأمل في الحياة يقفز إلى 77 سنة، بعدما لم يكن يتعدى حسبه 54 سنة للرجال و56 سنة للنساء غداة الاستقلال عام 1962.

ولأنه يدرك أن الأرقام قد تخون، قرر الرئيس البالغ من العمر 80 سنة أن يقدم نفسه «موديلا» حيا أمام البرلمان، قائلا بافتخار وسط تصفيقات النواب: «المثال أمامكم»، وكأن طول عمر الحاكم هو المعيار الوحيد لصحة الرعية.

والحقيقة أن تبون لم يكن بحاجة لبذل مجهود لإقناع الشعب بهذه «المعجزة»؛ فالجزائريون يدركون جيدا سر «طول العمر» في بلادهم، وهم يشاهدون منذ عقود فيالق الجنرالات المسنين والعجزة الذين «يجثمون» فوق صدورهم ويأبون مغادرة سدة الحكم حتى في أرذل العمر، ليتحول «أمل الحياة» في الجزائر من مؤشر صحي للمواطن البسيط، إلى امتياز حصري لمن يسكن القصور ويتحكم في مصير الشعب.

الحقيقة المرة خلف «الكذبة الفائقة»

بعيدا عن لغة الأرقام الخيالية في رأس تبون، فإن الحقيقة التي يعرفها العالم، ويتجاهلها تبون، هي أن الجزائر مجرد لاعب ناشئ يقوم بتعبئة مادة أولية مستوردة، وهو ما يجعل ادعاء «الاحتكار العالمي» مجرد فقاعة صابون أطلقها الرئيس لتجميل واقع اقتصادي واجتماعي متأزم.

وبينما يتحدث الرئيس عن احتكار أجهزة الكشف عن السكري، فإن أصغر طالب طب يعرف أن هذه الأجهزة متوفرة من إنتاج شركات عالمية مثل «روش» و«أبوت» منذ أجيال.

وبهذه الكذبة الجديدة، تتضح أكثر ملامح «الجزائر الجديدة» التي يبشر بها تبون منذ عهدته الأولى: جزائر تتغير فيها الحقائق بالخطابات، وتتحول فيها المدن إلى دول، والإنجازات الجزئية إلى احتكارات عالمية… فيما يبقى المواطن ينتظر، بين كذبة وأخرى، معرفة إلى متى سيستمر عبث النظام العسكري بمستقبل البلاد والعباد.

تحرير من طرف ميلود الشلح
في 01/01/2026 على الساعة 21:18