أثار هذا الإجراء، الذي يمنح التلاميذ في الجزائر عطلة تتجاوز 130 يوما، غضبا عارما في الأوساط التربوية التي اعتبرته «فاضحا لعقم السياسات العشوائية التي تدار بها مؤسسات الدولة».
وبينما بررت وزارة التربية اتخاذها قرر رفع العطلة الصيفية إلى أزيد من 4 أشهر (135 يوما) بدعوى «حماية التلاميذ في ولايات الجنوب والهضاب العليا من إجراء الامتحانات في ظروف مناخية قاسية تتجاوز فيها الحرارة 45 درجة مئوية خلال شهري يونيو ويوليو»، يرى المنتقدون أن خلفيات هذا القرار تتجاوز البعد التنظيمي لتكشف عن معضلات بنيوية؛ حيث يبدو أن الوزارة وضعت «المقاربة المناخية» والاستقرار الاجتماعي في ولايات الجنوب —التي تشهد حرارة مفرطة— فوق الجودة التعليمية.
واعتبر منتقدون أن الدولة اختارت الحل الأسهل بتعطيل المرفق التربوي وبالتالي التضحية بمستقبل التلاميذ، بدل الاستثمار في بنية تحتية تعليمية عصرية تواكب التحديات المناخية.
كما اعتبرت الآراء الغاضبة أن تبرير تقديم العطلة بـ«حرارة الجنوب» يعكس استهتارا بمصالح المواطنين، متسائلة عن «ذنب» التلميذ في المناطق المعتدلة لكي تتم «معاقبته» بحرمانه من الدراسة.
عجز تعليمي وتآكل للمكتسبات
تكشف لغة الأرقام عن هوة سحيقة بين الواقع التعليمي في الجزائر والمعايير الدولية؛ فبينما توصي منظمة اليونسكو بحد أدنى يتراوح بين 32 و36 أسبوعا دراسيا (ما يعادل 180 إلى 200 يوم فعلي)، لا يتجاوز الموسم الدراسي في الجزائر 27 أسبوعا.
هذا الفارق الذي يصل إلى (ناقص) 9 أسابيع سنويا، يترجمه الخبراء بـ«عجز تراكمي» يقدرونه بضياع سنوات من التحصيل الفعلي، حيث يصل الطالب -حسبهم- إلى التعليم العالي بفجوة بيداغوجية هائلة تجعل من «بكالوريا مايو» شهادة منقوصة المحتوى.
وفي هذا السياق، يحذر أستاذ علم الاجتماع الجزائري نور الدين بكيس من خطورة ما وصفه بـ«الارتجال البيداغوجي»، مؤكدا أن انقطاع التلميذ عن الممارسة التعليمية لأزيد من أربعة أشهر يؤدي حتما إلى «تبخر» الروابط الذهنية والمعرفية.
وبحسب المتحدث نفسه فإن هذا الانقطاع الطويل يجعل من الدخول المدرسي المقبل «بداية من الصفر»، حيث يستهلك شهر أكتوبر كاملا في محاولات ترميم ما نسيه التلاميذ خلال العطلة الكبرى.
غليان في الشارع وتحذيرات بيداغوجية
لم يمر القرار دون استهجان شعبي واسع، حيث نقلت منصات التواصل الاجتماعي استياء الأولياء الذين يواجهون اليوم «فراغا قاتلا» لأبنائهم في ظل نقص المرافق الترفيهية.
أثار هذا التوجه موجة من السخط، لاسيما لدى النخب التربوية التي حذرت من «تبخر» المكتسبات العلمية لدى التلاميذ طوال أربعة أشهر من الفراغ. كما انتقد أولياء التلاميذ تحول العطلة إلى عبء مادي ونفسي، وسط غياب المرافق الترفيهية والتربوية، مما دفع بالكثيرين للتساؤل عن جدوى الشعارات الرسمية في ظل واقع يكرس التخلف عن الركب العالمي.
وبلغت حدة الانتقادات ذروتها بوصف هذه القرارات بأنها «مهازل» تؤدي نحو الهاوية، مقارنة بإصرار شعوب تعيش تحت القصف والدمار على مواصلة التعليم فوق الأنقاض، بينما يُدفع بالتلميذ الجزائري إلى خمول إجباري تقره الدولة.
وبلغت حدة الانتقادات ذروتها في مناشدات وجهها مواطنون لرئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، قارنوا فيها بمرارة بين إصرار أطفال غزة -رغم حالة الحرب ومخلفاتها- على التعلم فوق الأنقاض وفي الخيام لضمان بقاء العلم في عقولهم، وبين منح تلاميذ في ظروف آمنة عطلة قياسية تفرغ المدرسة من مضمونها.
وفي تحليل واقعي، سلط أستاذ علم الاجتماع السياسي نور الدين بكيس الضوء على التحديات التي تواجهها الأسر في الحفاظ على توازن الأبناء ومتابعتهم خلال هذه الفترة الطويلة.
سياسات عشوائية
أجمعت الكثير من الآراء المنتقدة على أن هذه الرزنامة «المبتورة» تكشف عمق الأزمة التي تتخبط فيها المنظومة التربوية في الجزائر، كواجهة واحدة من واجهات الفشل الذريع الذي يطبع التدبير العام للبلاد.
ويرى هؤلاء المنتقدون أن العجز عن تأمين «زمن مدرسي» يحترم المعايير الدولية ليس إلا امتدادا لسياسات عشوائية تدار بـ«عقلية الثكنة»، حيث تتم التضحية بمستقبل الأجيال الصاعدة وتدريسها على مذبح الحلول الترقيعية والهروب إلى الأمام، متسائلين: «كيف لنظام يفشل في ضبط إيقاع مدرسة أن ينجح في تدبير قضايا استراتيجية كبرى؟».
