اتسم الخطاب الإعلامي الرسمي وبعض منصات التواصل الاجتماعي في الجزائر، عقب إقصاء المنتخب الجزائري من بطولة كأس أمم إفريقيا المنظمة بالمغرب، بتبني سلسلة من الاتهامات والأعذار التي ربطت الخسارة بالدولة المستضيفة والاتحاد القاري، بدل البحث عن الهفوات والأخطاء في خطة المدرب وأداء اللاعبين...
كواليس «المؤامرة» الجاهزة
منذ صافرة الإقصاء، برزت «نظرية المؤامرة» كأكثر التفسيرات تداولا في القنوات الجزائرية؛ حيث تحدث محللون بثقة مطلقة عن «نفوذ مغربي» داخل الكنفدرالية الإفريقية، وعن كواليس محبوكة لإبعاد «الخضر» عن منصة التتويج. هكذا تحولت الهزيمة من نتيجة رقمية فوق الميدان إلى فصل جديد في مسلسل «الاضطهاد المتخيل».
ولأن كل مؤامرة تقتضي أدوات للتنفيذ، وجهت أصابع الاتهام نحو الحكام وتقنية الفيديو «VAR»؛ فزعم البعض أن التعيينات كانت «موجهة»، وأن مخرج اللقاء تعمد تضليل الحكام بإخفاء لقطات حاسمة، في تصوير يوحي بأن غرفة العمليات الرياضية تحولت إلى دهليز لتدبير المكائد السياسية.
شماعة العشب والحرب النفسية
لم يتوقف سيل التبريرات عند حدود الصافرة، بل امتد ليشمل تفاصيل الإقامة التي وصفت بـ«المضايقة»، رغم إشادة البعثة الرسمية الموثقة بالظروف التنظيمية في البداية. حتى الجماهير المغربية والمحلية، التي مارست حقها الطبيعي في تشجيع من تشاء، جرى تصويرها كطرف في «حرب نفسية» منظمة لإرباك اللاعبين.
ولم يسلم «العشب» بدوره من لائحة المتهمين؛ إذ روج البعض لفكرة أن أرضية الملاعب صممت بذكاء لتعجيز أسلوب لعب الجزائر، وأن برمجة المباريات خضعت لمختبر سري لضبط المناخ بما يزعج «محاربي الصحراء» حصرا، وكأن الطبيعة والجماد اصطفا في خندق الخصوم.
«الفار» و«السحر الأسود» و«أجهزة التشويش»
لم يقف خيال المنصات الرقمية الجزائرية عند حدود المنطق، بل قفز إلى عالم الميتافيزيقيا؛ فالهزيمة لم تكن نتاج عجز فني، بل كانت بسبب «أعمال سحرية» في غرف الملابس، وأجهزة تشويش متطورة عطلت مهارات اللاعبين، وكأن مخرج اللقاء كان يحمل «ريموت كنترول» يتحكم في أقدام محرز وغويري.
ولم يسلم حتى الهواء من الاتهام، إذ ادعى البعض رش مواد تسبب ضيق التنفس، وكأن «محاربي الصحراء» كانوا يخوضون مباراتهم في كوكب آخر لا تتوفر فيه شروط الحياة.
أما «القميص الوطني»، فقد نال نصيبه من المؤامرة، حيث قيل إن تفاصيله عدلت بضغوط مغربية لـ «تطير البركة»، وربما لإقناع الجماهير بأن المشكلة في «الخياطة» وليست في «التخطيط»!
وفي مشهد سريالي آخر، تحول مخرج المباراة إلى «العدو الأول»، بعد اتهامه بتضليل حكام «الفار» وإخفاء لقطات ضربات الجزاء المفترضة.
وحتى عشب الملاعب المغربية العالمية لم ينج من «التهمة»، إذ روج البعض لفكرة عبقرية مفادها أن العشب صمم خصيصا ليعادي أسلوب لعب الجزائريين، وكأن المزارع المغربي كان يدرك تكتيك بيتكوفيتش قبل أن يضعه!
«التهميش الرقمي».. حينما يصبح الحظر «سيادة»
يبدو أن كل هذه السلوكات والاتهامات الغريبة من الجار الشرقي للمملكة لم تشف غليل الأشقاء الجزائريين، فمضوا إلى شن حرب من نوع آخر ضد الجارة الغربية، التي يحلو لهم أن يسموها بـ«جار السوء». فقد انتقلت المعركة إلى الفضاء الافتراضي عبر حملة «التهميش الرقمي».
وحسب ما أوردته جريدة «الخبر» الناطقة باسم النظام العسكري الجزائري، فقد أطلقت صفحات إلكترونية ومؤثرون في الجزائر حملة رقمية واسعة تدعو إلى «التهميش الرقمي» للمحتوى المغربي، ردا على ما اعتبروه حملات تشويه استهدفت المنتخب الجزائري وأنصاره خلال بطولة كأس أمم إفريقيا بالمغرب.
إقرأ أيضا : الجزائر: حين تتحول دموع حكيمي إلى المُسكّن الوحيد لأوجاع النظام العسكري
ويبدو أن أصحاب هذه الحملة نسوا أن حجب الصفحات المغربية عن المقيمين في «بلاد القوة الضاربة» لن يحسن الأوضاع هناك، ولن يعيد للمنتخب هيبته الضائعة. فالعالم ليس بحاجة لمغربي ليخبره عن واقع الجزائر، إذ كفتهم سلوكات البعثة والأنصار طيلة تواجدهم بالمملكة عناء الشرح، فكانت التصرفات خير شاهد على حجم الهوة بين الخطاب والواقع.
أزمة رؤية لا أزمة نتيجة
في نهاية المطاف، وحتى لو سلمنا جدلا بصحة ما يروج له الإعلام الجزائري حول وجود «حملات تشويه» مغربية، فإن سياسة الحجب الممنهج ضد كل ما هو مغربي لن تمنح الجزائر صك الغفران الرقمي، ولن تجعل أوضاعها الداخلية في معزل عن التردي بمجرد الضغط على زر «الحظر».
إن العالم اليوم لم يعد بحاجة لوسيط يخبره عن حال الجزائر، فقد عاينها رأي العين من خلال سلوكات البعثة والأنصار فوق الأراضي المغربية، وهي وقائع لا تمحوها حملات «التهميش الرقمي».
ثم إن هذا النزوع نحو صناعة «عدو وهمي» ليس إلا محاولة بائسة لامتصاص صدمة الإخفاق، وتوجيه الرأي العام نحو معارك افتراضية تريح النفس من مشقة النقد الذاتي والتحليل الفني المسؤول، لتظل الحقيقة الثابتة أن الهروب من مواجهة المرآة لا يغير من ملامح الهزيمة شيئا.




