كانت 2025 سنة مميزة بالنسبة للقارة الإفريقية، حيث حطمت العديد من الوجهات أرقامها القياسية في عدد السياح الوافدين. فبينما حافظت المملكة المغربية على مكانتها كوجهة سياحية إفريقية رائدة، مقتربة من 20 مليون زائر، متقدمة على مصر (19 مليون) وتونس (11.2 مليون)، برزت وجهات أخرى في القارة أيضا، ولا سيما الجزر الإفريقية الخلابة: سيشل وموريشيوس والرأس الأخضر.
على غرار فرنسا وإسبانيا، الوجهتين السياحيتين الرائدتين عالميا، اللتين استقبلتا في عام 2025 عددا من السياح يفوق عدد سكانهما (102 مليون و97 مليون على التوالي)، استقبلت سيشل وموريشيوس والرأس الأخضر عددا من السياح يفوق عدد سكانها.
إلا أن أوجه التشابه تنتهي عند هذا الحد. فهذه الجزر الإفريقية الثلاث قليلة السكان، وتتمتع بمعالم سياحية استثنائية (شواطئ خلابة، ومناخ معتدل، ومياه فيروزية، وتنوع نباتي وحيواني غني، وإرث ثقافي غني) قادرة على جذب أعداد أكبر بكثير من الزوار مقارنة بما تستقبله حاليا.
إضافة إلى هذه العوامل، توفر هذه الجزر لزوارها مستوى عال من الأمان والحماية. وهكذا، وفقا لإننرناسيونال إس أو إس، تصنف الرأس الأخضر (السادسة) وسيشل (الثامنة) ضمن أفضل عشر وجهات سياحية أمانا في العالم، في تصنيف تهيمن عليه دول شمال أوروبا، وهي الدنمارك، والنرويج، وفنلندا، وأيسلندا، وغرينلاند.
وقد استقبلت هذه الوجهات الثلاث ما يزيد عن 3.04 مليون سائح في عام 2025، من إجمالي عدد سكان يقدر بنحو 2.1 مليون نسمة. وهذا يعني أن الدول الثلاث استقبلت أكثر من 1.45 ضعف إجمالي عدد سكانها. وبينما تتشارك الوجهات الثلاث جمال شواطئها ومياهها الفيروزية ومناظرها الطبيعية الخلابة، إلا أن لكل منها مزاياها الخاصة التي تضفي عليها طابعا متفردا.
إضافة إلى ذلك، هناك سياسات تطبقها السلطات العمومية لتشجيع السياحة مع الحفاظ على البيئة. ونتيجةً لذلك، تحظى بعض الوجهات بشعبية أكبر من غيرها، التي اختارت السياحة الفاخرة، وهو ما عليها عائدات كبيرة.
موريشيوس: 1.1 سائح لكل نسمة
تقع موريشيوس في جنوب غرب المحيط الهندي، على بعد 2000 كيلومتر من الساحل الجنوبي الشرقي للقارة الأفريقية، وهي جزء من أرخبيل ماسكارين، وتلقب بلؤلؤة المحيط الهندي، وتعد وجهة سياحية تجذب أعدادا متزايدة من الزوار. ينجذب السياح إلى شواطئ الجزيرة الرملية الناعمة الفريدة المحاطة بأشجار جوز الهند، ومسارات المشي لمسافات طويلة، وملاعب الغولف، ومواقع الغوص، والشلالات، فضلا عن تنوعها البيولوجي الاستثنائي.
في عام 2025، سجلت الجزيرة أرقاما قياسية في السياحة. فبحسب المعطيات الرسمية الصادرة عن هيئة الإحصاء في موريشيوس، استقبلت الجزيرة 1.436 مليون سائح في عام 2025، وهو رقم قياسي، يمثل زيادة بنسبة 4% مقارنةً بعام 2024. وقد تجاوز عدد الوافدين الرقم القياسي السابق البالغ 1.382 مليون سائح والذي سجل في عام 2019. وبالتالي، مع عدد سكان يقدر بـ1.3 مليون نسمة، استقبلت البلاد عددا من السياح يفوق عدد سكانها. وتعتبر السلطات المهتمة بالسياحة هذا دليلًا على جاذبية الجزيرة.
يهيمن السياح الفرنسيون (482.000 زائر)، من بينهم 145.000 من جزيرة ريونيون) والبريطانيون (155.000 زائر) والألمان (122.000 زائر) والجنوب أفريقيون (110.000 زائر) على أعداد السياح الوافدين إلى الجزيرة.
وترتفع أعداد السياح خلال موسم الذروة السياحي، الممتد من يوليوز إلى دجنبر، حيث تتزامن هذه الذروة مع العطلات الصيفية في أوروبا وعطلات نهاية العام. وقد بلغ عدد الوافدين ذروته في دجنبر 2025، حيث وصل إلى 161.440 زائرا.
إضافة إلى المزايا الطبيعية للجزيرة، يعزى هذا النمو السياحي أيضا إلى تحسين الربط الجوي بفضل زيادة الرحلات الجوية المباشرة من مراكز استراتيجية (باريس، لندن، وجوهانسبرغ)، وتنظيم الفعاليات المحلية، بما في ذلك المهرجانات والمؤتمرات الدولية والفعاليات الرياضية.
بلغت عائدات السياحة في موريشيوس أكثر من 103.4 مليار روبية موريشية في عام 2025، بزيادة قدرها 10.4% مقارنةً بعام 2024، أي ما يعادل 1.8 مليار أورو، وفقا لمعطيات بنك موريشيوس. وبلغ متوسط إنفاق السائح 1253 أورو. يعزى هذا المستوى من الإنفاق إلى جودة التجربة السياحية ومتوسط مدة الإقامة التي تبلغ حوالي 10 أيام، مما يتيح للزوار تجربة أكثر ثراء.
ويأمل خبراء القطاع السياحي في الحفاظ على هذه الدينامية في عام 2026، ويتوقعون استقبال 1.5 مليون سائح. وتحتاج موريشيوس إلى بذل جهود لتعزيز جاذبيتها، نظرا للمنافسة الإقليمية، لا سيما من جزر المالديف التي استقبلت 2.25 مليون زائر في عام 2025 (بزيادة قدرها 10%)، وجزر سيشل التي تجذب المزيد من السياح ذوي الإنفاق العالي.
وتواجه موريشيوس تحديات بنيوية. موريشيوس، التي تعرف فقط كوجهة شاطئية بفضل شواطئها البكر، عليها أن تنوع عروضها السياحية بالاستفادة من ثقافتها الغنية، وطبخها المتنوع، وإمكاناتها الهائلة في مجال السياحة البيئية، وغيرها. كما تواجه الجزيرة نقصا في الأيدي العاملة، وهو تحد كبير يتفاقم بسبب التركيبة السكانية، والنظرة السائدة لوظائف الفندقة، والمنافسة الإقليمية.
وفضلا عن ذلك، يجب على لؤلؤة المحيط الهندي تنويع قاعدة زبنائها من خلال استهداف الأسواق الناشئة، لا سيما في آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا. كما يعد تطوير الربط الجوي، وتكثيف الجهود الترويجية للوجهة السياحية لتعزيز مكانة الجزيرة، وتحسين البنية التحتية السياحية في البلاد، أمرا ضروريا.
ومع ذلك، يجب أن تعطي هذه الإجراءات الأولوية لتطوير سياحة مستدامة وعالية الجودة، بدلا من السياحة الجماعية التي تلحق الضرر بالبيئة.
سيشل: وجهة سياحية فاخرة
تقع هذه المجموعة من الجزر، التي تضم 115 جزيرة، من بينها ثلاث جزر رئيسية هي ماهي، وبراسلين، ولا ديغ، وتمتد على مساحة 455 كيلومترا مربعا، في قلب المحيط الهندي. تتميز سيشل بتكوينها الصخري من الغرانيت والشعاب المرجانية، ما يجعلها جنة حقيقية على الأرض، تزخر بالعديد من المواقع السياحية الاستثنائية.
يتيح هذا الأرخبيل فرصا متنوعة للسياحة. بشواطئها الرملية البيضاء المتلألئة، المحاطة بصخور غرانيتية ضخمة نحتتها عوامل التعرية البحرية، وأشجار جوز الهند، والنباتات الاستوائية الكثيفة، يجد رواد الشواطئ خيارات لا حصر لها، خاصة وأن شواطئها هادئة نسبيا، وتتمتع بأكثر من 300 يوم مشمس في السنة.
وينطبق الأمر نفسه على هواة المشي لمسافات طويلة، الذين يستمتعون بالمناظر الطبيعية الخلابة. كما يمكن لعشاق الرياضات المائية الاستمتاع بالحياة البحرية الغنية في هذه المجموعة. وتعد سيشل من أجمل الأماكن في العالم للغوص، بفضل مياهها الصافية الكريستالية.
مع ذلك، تعد سيشل رائدة في الحفاظ على تنوعها البيولوجي، إذ تولي اهتماما كبيرا للسياحة الراقية والمستدامة، وتحرص على تنمية طابعها المتفرد.
وسجلت سيشل رقما قياسيا في عدد الزوار عام 2025، حيث بلغ عددهم حوالي 400 ألف زائر، بزيادة قدرها 12% مقارنة بعام 2024. ومع أن عدد سكانها يقدر بنحو 134 ألف نسمة فقط بنهاية عام 2025، فقد استقبلت سيشل ما يعادل ثلاثة أضعاف عدد سكانها.
وتتميز سيشل بطابع خاص يجعل من الممكن زيارتها على مدار العام، بفضل مناخها الاستوائي المستقر ودرجات حرارتها الثابتة نسبيا طوال السنة.
ومع ذلك، تعد الفترة المثالية لزيارة سيشل من ماي إلى أكتوبر، أي خلال الفترة التي تتراوح فيها درجات الحرارة بين 25 و29 درجة. ويأتي السياح في المقام الأول من السوق الأوروبية، بما في ذلك الألمان (45.000 زائر)، والفرنسيون (40.000 زائر)، والروس، والبريطانيون، الذين يشكلون مجتمعين حوالي 73% من إجمالي السياح. ويسعى الأرخبيل إلى تقليل هذا الاعتماد من خلال استهداف أسواق أخرى، لا سيما في آسيا والخليج وأمريكا الشمالية...
ولتحقيق هذه الغاية، مع الحفاظ على هدف السياحة المستدامة، تخطط السلطات لتنويع العروض السياحية من خلال تطوير أسواق متخصصة. وتشمل هذه الأسواق تطوير سياحة الاجتماعات والمؤتمرات والمعارض، فضلا عن سياحة الاستجمام.
Seychelles: un décor de carte postale.. DR
وتستفيد هذه الوجهة من سياسة الدخول بدون تأشيرة، مما يسمح للسياح من جميع أنحاء العالم بالحصول على تأشيرة عند الوصول. ومع ذلك، بمجرد وصولهم، يخوض السياح تجربة سياحية راقية. ففي عام 2024، على سبيل المثال، أنفق 352.762 سائحا 960 مليون دولار، أي ما يعادل 2800 دولار تقريبا للفرد، وهو أعلى معدل في القارة. وتمثل السياحة حوالي 31% من الناتج الداخلي الخام للبلاد. وتتمتع هذه الجزر بأعلى ناتج داخلي خام للفرد في أفريقيا، وفقا للبنك الدولي.
تعد الفرنسية إحدى اللغات الرسمية، إلى جانب الإنجليزية والكريولية السيشيلية. أما بالنسبة للطعام، فيعد السمك عنصرا أساسيا في المطبخ السيشيلي، وغالبا ما يشوى ويقدم مع الأرز والباذنجان أو اليقطين.
الرأس الأخضر: أرقام قياسية في عدد الزوار، ولكن...
الرأس الأخضر أرخبيل يتألف من تسع جزر مأهولة، وجزيرة واحدة غير مأهولة، وعدة جزر صغيرة، ويتركز النشاط السياحي في جزيرتي سال وبوافيستا. تقع هذه الجزر في المحيط الأطلسي، على بعد حوالي 500 كيلومتر من سواحل السنغال، وقد سجلت أرقاما قياسية في عدد الزوار عام 2025، حيث بلغ عددهم ما يزيد عن 1.2 مليون سائح.
ويشكل السياح الأوروبيون النسبة الأكبر. فإلى جانب الشواطئ والغوص، يمكن للسياح الاستمتاع برياضة المشي لمسافات طويلة وتجربة تسلق قمة بيكو دو فوغو، وهو بركان نشط يرتفع إلى 3000 متر في جزيرة فوغو.
وإلى جانب المزايا التي تتمتع بها البلاد، يشهد قطاع السياحة نموا ملحوظا بفضل بنيتها التحتية السياحية المتطورة (الفنادق، وميناء مينديلو للسفن السياحية، وغيرها)، وزيادة عدد الرحلات الجوية بفضل وصول رحلات الطيران منخفضة التكلفة مع شركة إيزي جيت، وتنوع العروض السياحية، والاستقرار السياسي، وأمن وسلامة الوجهة السياحية.
تساهم كل هذه العوامل في جعل الرأس الأخضر وجهة سياحية رائدة. وتعد الفترة الممتدة من نونبر إلى يونيو أفضل فترة لزيارة الرأس الأخضر، خاصة لعشاق الشواطئ ومحبي رياضة المشي لمسافات طويلة. أما بالنسبة لهواة الرياضات المائية، فإن أفضل فترة لزيارة الأرخبيل هو خلال أشهر الشتاء (من دجنبر إلى مارس).
بالمقارنة مع أرخبيلات سياحية أخرى في القارة (موريشيوس وسيشيل)، تستفيد الرأس الأخضر من قربها الجغرافي من عواصم أوروبية رئيسية.
وبشكل عام، ينمو القطاع السياحي بأكثر من 10% سنويا. ومع ذلك، فإن المنظومة البيئية بالأرخبيل حساسة للغاية: السلاحف، ومواقع ولادة الحيتان...هذا الوضع يستدعي من سلطات الرأس الأخضر تطوير سياحة مستدامة.
في عام 2026، يخشى البعض من انخفاض عدد الوافدين بعد قرار السلطات إلغاء تأشيرة الدخول عند الوصول ونظام التسجيل المسبق الإلكتروني المبسط لـ91 دولة. يشترط الآن على مواطني هذه الدول الحصول على تأشيرة لدخول الرأس الأخضر. يبرر هذا القرار برغبة السلطات في معرفة معطيات الزوار قبل صعودهم إلى السفن، وذلك لمكافحة الهجرة غير النظامية أو أي تهديدات قد تمس النظام العام.
يعد قطاع السياحة قطاعا استراتيجيا بالغ الأهمية في اقتصاد الرأس الأخضر، إذ يمثل نحو 25% من الناتج الداخلي الخام للبلاد، ويشكل أحد أهم مصادر العملات الأجنبية.
















