بحسب تقرير «حالة صناعة الأموال عبر الهاتف المحمول 2026»، الصادر مؤخرا عن الرابطة العالمية لشبكات الهاتف المحمول، تجاوز حجم المعاملات عبر المحفظات الإلكترونية عالميا تريليوني دولار خلال عام 2025. يعد هذا إنجازا هاما يجسد النمو الهائل في حجم المعاملات الذي سجله القطاع في السنوات الأخيرة. استغرق الأمر 20 عاما لتجاوز تريليون دولار في حجم المعاملات السنوية، بينما لم يستغرق الأمر سوى أربع سنوات لمضاعفة هذا الرقم.
وفي هذا السياق، يسلك تقرير آخر صادر عن مجموعة بوسطن الاستشارية الضوء على مفارقات نماذج الدفع عبر الهاتف المحمول في إفريقيا في ظل «الموجة الثانية».
ويقصد بـ«الموجة الثانية» المرحلة التي تلي التكنولوجيا المالية، بعد المرحلة التي هيمنت عليها أداءات المستهلكين عبر الهاتف المحمول، مثل خدمة «M-Pesa» في كينيا. تركز هذه الموجة على تجاوز مرحلة معاملات الند للند (P2P)، من خلال دمج تدفقات موسعة بين الشركات (B2B)، وبين المستهلك والشركات (C2B)، وبين المستهلك والحكومات (B2G)، وقبل كل شيء، تنمية القروض الرقمية على أوسع نطاق بفضل معطيات المعاملات الضخمة.
وتشمل هذه المرحلة أيضا تعزيز قابلية التشغيل البيني (البنيات التحتية الرقمية العامة، والهوية الرقمية الموحدة) وطموحات عابرة للحدود لدعم منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية. وهذا من شأنه أن يحول حجم الأداءات إلى شمول مالي منتج.
انتشار قياسي، وشمول مالي محدود. هكذا تلخص مجموعة بوسطن الاستشارية وهم النضج الذي تقوده شركات الاتصالات في إفريقيا. ويشير مصطلح «النضج الذي تقوده شركات الاتصالات» إلى نموذج تأخذ فيه شركات الاتصالات زمام المبادرة وتقود المشاريع أو الخدمات. تقوم هذه الشركات بتصميم وتمويل وتدبير البنية التحتية الأساسية، كما هو الحال مع خدمات الأداء عبر الهاتف المحمول، حيث تسيطر على المنصة بشكل كامل.
وهكذا، يرسم تقرير مجموعة بوسطن الاستشارية، بعنوان: «ما وراء المدفوعات: إطلاق العنان للموجة الثانية من التكنولوجيا المالية في إفريقيا»، صورة دينامية للثورة المالية الرقمية الجارية في القارة الإفريقية. تقود القارة مسيرة النمو العالمي في مجال التكنولوجيا المالية، حيث من المتوقع أن تتضاعف المداخيل ثلاث عشرة مرة بحلول عام 2030، وأن تستحوذ على حصة كبيرة (74%) من حجم المعاملات عبر الهاتف المحمول عالميا.
في خضم هذه الدينامية، تبرز كينيا كدولة رائدة في مجال الأداء عبر الهاتف المحمول في أفريقيا، إذ تقترب نسبة انتشارها من 100%. وبينما حظي نموذجها القائم على شركات الاتصالات بإشادة مستحقة، إلا أن واقعا أكثر قتامة يلوح في الأفق. ويؤكد تقرير مجموعة بوسطن الاستشارية هذا الأمر بشكل قاطع.
فعلى الرغم من الاستخدام المتعدد القطاعات (من المستهلك إلى المستهلك، ومن المستهلك إلى الشركات، ومن المستهلك إلى الحكومة) الذي يعرض كنموذجٍ يحتذى به، إلا أن القرض الرسمي لا يزال «سطحيا». باختصار، هذه هي المفارقة الكينية: ملايين المستخدمين يسددون أداءاتهم الحكومية أو التجارية عبر هواتفهم المحمولة، لكنهم يلجؤون إلى مجموعات الادخار أو المقرضين غير المهيكلين بمجرد حاجتهم إلى 50.000 شلن كيني لحالة طبية مستعجلة.
معطيات البنك الدولي التي استشهدت بها مجموعة بوسطن الاستشارية صادمة: أكثر من 50% من القروض لا تزال خارج القنوات الرسمية. لقد فشل مفهوم الشمول المالي، الذي حظي بإشادة واسعة، في تحقيق وعده بأن يكون بوابةً لخدمات مالية مهيكلة. أنظمة الدفع المتطورة والمبتكرة أشبه بطرق سريعة تؤدي إلى طريق مسدود اقتصاديا.
وكيل الخدمات البنكية عبر الهاتف المحمول في كينيا، المنتشر بكثرة في القرى، لا يزال محصورا في دور جامع النقود البسيط، غير قادر على تقديم قروض تعليمية أو مدخرات مربحة. هذا «التناقض» المالي يكشف عن فشل بنيوي.
Jeune utilisant un e-wallet au Maroc: portefeuille électronique vide d'impact réel. Des virements C2C qui ne financent ni études ni entreprise.. Getty Images
المغرب ونيجيريا وأنغولا وجنوب إفريقيا ومصر...
تجسد نيجيريا مأساة الانتقال غير المكتمل. فعلى الرغم من الانتشار الواسع لشركاتها المحلية العملاقة (OPay وPalmPay) إلا أن البلاد لا تزال تصنف ضمن فئة «الانتشار المتوسط». لماذا؟ يدور صراع محتدم بين نماذج الأداء. فمن جهة، تحاول شركات الاتصالات الناشئة إعادة إنتاج ثورة «M-Pesa». ومن جهة أخرى، تدافع البنوك التقليدية عن سلطتها التنظيمية.
والنتيجة: تشتت يجعل استخدامها يقتصر على التحويلات البسيطة بين الأفراد. والأكثر من ذلك، أن جنوب إفريقيا ومصر، على الرغم من امتلاكهما أنظمة بنكية متطورة، تقعان في الفخ نفسه. تشخيص مجموعة بوسطن الاستشارية قاطع لا لبس فيه.
لم تحقق البنوك الانتشار الواسع الذي حققته شركات الاتصالات. فمقاربتها التكنوقراطية، التي تركز على زبناء المدن الذين لديهم حسابات بنكية، استبعد البائعين في الأسواق الصغيرة في جوهانسبرغ والصيادين في الإسكندرية.
وفي المغرب وأنغولا، الوضع أكثر سوءا. إذ لا تتجاوز نسبة استخدام الخدمات البنكية الإلكترونية 5%، على الرغم من وجود نماذج متعارضة نظريا. ما القاسم المشترك بينهما؟ قوانين خانقة حولت المحفظات الإلكترونية إلى مجرد أدوات جوفاء، تقتصر على التحويلات بين الأفراد دون أي أثر اقتصادي حقيقي.
يجسد هذان البلدان فشلا أعمق: فعندما تصبح البنية التحتية المالية ساحة صراع مؤسسي، يدفع السكان غير المتعاملين مع البنوك الثمن الأكبر.
وهكذا، تتحطم أسطورة «المنظومة التكنولوجية» الإفريقية على مذبح قابلية التشغيل البيني. صحيح أن نيجيريا، بنظامها الفوري للأداءات بين البنوك، وكينيا، بنظام بيسا لينك (PESALink) قد بنتا أنظمة أداء فورية متطورة، إلا أن هذه الأنظمة تعمل بمعزل عن بعضها، مما يعيد إنتاج الفجوة نفسها التي ادعت حلها.
تكشف المعطيات التي نشرتها مجموعة بوسطن الاستشارية الحقيقة بوضوح. فالتجزئة التنظيمية تحول الابتكارات إلى جزر معزولة. يستطيع تاجر في لاغوس استلام أداء من أبوجا في ثلاث ثوان، لكنه يصاب بالشلل بسبب فاتورة مورد في غانا نتيجة لاختلافات أسعار الصرف الكبيرة وأنظمة الملاءمة المجزأة.
والأسوأ من ذلك، أن مليارات المعاملات بين الأفراد التي تجرى يوميا تبقى خاملة في قواعد معطيات موازية، عديمة الفائدة لمنح القرض لشركة صغيرة أو متوسطة تديرها عائلة في دوالا. تحذير التقرير صارخ: «بدون بنية تحتية قوية للمعطيات، سيظل القرض القائم على المخاطر محدودا».
ومع ذلك، تظهر رواندا وجود بديل. فمن خلال التعامل مع الهوية الرقمية وواجهات برمجة التطبيقات الموحدة كسلع عامة، جعلت الدولة كل معاملة بمثابة مؤشر محتمل للقدرة على الأداء. وبالمقابل، تغرق نيجيريا في معارك تنظيمية، بينما تعيق شركات التكنولوجيا المالية نموها بسبب غياب إطار عمل واضح لاستغلال المعطيات المالية.
وماذا عن الاندماج عبر الحدود؟ تجسد مبادرة نظام الأداء والتسوية الإفريقي طموح اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية. إلا أن فوارق أسعار الصرف الكبيرة وأنظمة الملاءمة المجزأة تقوض إمكاناتها. ويشير التقييم بوضوح إلى أن التجارة البينية الأفريقية لا تزال أكثر تكلفة وأقل مرونة مما توحي به طموحاتها. وتصطدم دول رائدة مثل غانا وكينيا أمام هذا العائق.
ويبدو تحذير مجموعة بوسطن الاستشارية بمثابة إنذار بخطر وشيك. «لا تزال البنية التحتية طويلة الأجل للوصول والمنافسة والتوسع غير محلولة». ويكمن وراء هذه العبارة أربع قضايا رئيسية على الأقل في عملية صنع القرار. أولا، وهم وجود إطار تنظيمي موحد. هل يجب فرض قابلية التشغيل البيني على الطريقة البرازيلية، حيث يسيطر البنك المركزي على البنية التحتية، أم يتم اختيار النموذج الهندي، الذي يسمح لشركات التكنولوجيا المالية بالابتكار؟
نقاش نظري له نتائج. سيحدد ما إذا كان بإمكان بائعة المانجو في باماكو الحصول على قرض بناء على مبيعاتها. أما الإشكالية الثانية فهي الفتح المتحكم فيه للبنية التحتية. كيف يمكن إدارة الابتكار دون المساس بالاستقرار المالي؟ ستحدد الإجابة من سيبقى: البنوك السنغالية الجديدة أم عمالقة الاتصالات؟
أما الإشكالية الثالثة والأكثر خطورة فهي الهجرة الصامتة للقيمة. فمع انتشار البنية التحتية، تنتقل الثروة المالية نحو المنصات المندمحة، لا سيما تلك التي تتحكم في الأداءات والهوية والمعطيات. وتكمن الإشكالية الأخيرة في استحالة التوافق. تظهر دول مثل رواندا أن ملاءمة السياسات العامة والبنية التحتية الرقمية والكفاءات التقنية ورأس المال المحلي ليست ضربا من الخيال.
لكن هذه المعادلة تتطلب إرادة سياسية تفتقر إليها معظم الجهات التنظيمية، المنشغلة بالدفاع عن مصالحها المؤسسية. أربع معضلات، أو خيارات وجودية، ستحدد مصير المشهد المالي في أفريقيا في عام 2030.
وفي نهاية المطاف، وبدون قفزة نوعية نحو قابلية التشغيل البيني، والقرض القائم على المعطيات، والتنظيم الموحد، قد يتحول الانقسام بين الدول التي تقودها شركات الاتصالات وتلك التي تقودها البنوك إلى هوة اقتصادية سحيقة. لم يعد التحدي يكمن في توسيع نطاق انتشار التكنولوجيا المالية، بل في تصميم نظام مالي قادر على دعم نمو شامل واسع النطاق. ويعتمد وعد أفريقيا بالاكتفاء الذاتي المالي الآن على خيارات السلطات التنظيمية، وليس على مرونة الشركات الناشئة.




