أعلى عشر دول إفريقية من حيث المداخيل الضريبية

أوراق نقدية لدول إفريقية. Copyright (c) 2018 RomanR/Shutterstock. No use without permission.

في 01/01/2026 على الساعة 09:00

في قارة لا تتجاوز فيها المداخيل الضريبية 16% من الناتج الداخلي الخام، تنفرد قلة من الدول بقدرتها على تعبئة الموارد المحلية.

في هذه الفترة من السنة التي تصادق فيها العديد من الدول على قوانينها المالية لعام 2026، قدمت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نظرة عامة قيمة على الضغط الضريبي في القارة من خلال تقريرها بعنوان: «إحصاءات المداخيل العمومية في إفريقيا 2025» وملخصاتها بشأن كل بلد.

في نسختها لعام 2025، تقدم منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية جردا قيما لقدرة الدول على تعبئة الموارد المحلية. وفي هذا السياق، ندرس الدول الإفريقية العشر الأولى من حيث المداخيل الضريبية كنسبة مئوية من الناتج الداخلي الخام، محللين، ليس فقط مستويات تحصيل الضرائب، بل أيضا البنيات الضريبية الأساسية وآثارها.

تعد نسبة الضرائب إلى الناتج الداخلي الخام مؤشرا رئيسيا على الجهد المالي والقدرة الإدارية، وتظهر تفاوتات كبيرة في مختلف أنحاء القارة. وتعتبر هذه النسبة مؤشرا أساسيا على قدرة الدولة على تعبئة الموارد المحلية لتمويل سياساتها العامة (الصحة والتعليم والبنيات التحتية). وتشير النسبة المرتفعة إلى قدرة أكبر على خلق مداخيل مستقلة، ما يقلل الاعتماد على الديون أو المساعدات الخارجية.

وتعكس هذه النسبة حجم الجهد الضريبي الجماعي ومدى تنظيم الاقتصاد. ومع ذلك، ينبغي أخذ الأمور بنوع من الحذر، فهي لا تشير إلى فعالية الإنفاق العام، أو عدالة النظام الضريبي (من يدفع؟)، أو جودة الإدارة الضريبية. فقد تتعايش النسبة المرتفعة مع ارتفاع نسب التهرب الضريبي أو تباطؤ النمو، بينما قد تخفي النسبة المنخفضة وجود اقتصاد غير مهيكل ضخم أو خيارات سياسية مدروسة.

ويكشف تحليل التقارير الخاصة بكل بلد عن تباين كبير في المشهد الضريبي، حيث تبرز بعض الدول بنسب ضرائب إلى الناتج الداخلي الخام أعلى بكثير من المتوسط الإفريقي، الذي بلغ 16.1% فقط في عام 2023. وتظهر هذه القائمة، التي تهيمن عليها تونس، استراتيجيات ضريبية متباينة، وتثير تساؤلات حول القدرة على تعبئة الموارد المحلية للتنمية.

وكما ذكر سابقا، حافظت تونس على صدارتها بلا منازع بنسبة 34% في عام 2023، على الرغم من أن هذا يمثل انخفاضا طفيفا قدره 0.8 نقطة مقارنة بالذروة التاريخية البالغة 34.8% التي سجلت في عام 2022. ويعزى هذا الأداء، الذي يزيد بمقدار 17.9 نقطة عن المتوسط الإفريقي، إلى زيادة ملحوظة قدرها 5.7 نقطة منذ عام 2013. وتعد اشتراكات الضمان الاجتماعي المصدر الرئيسي للمداخيل الضريبية في تونس، حيث تمثل 27%.

ويأتي ثاني أكبر مصدر من الضريبة على الدخل، بنسبة 23%. يتميز هذا النظام الضريبي بهيكلية تبلغ فيها مساهمات الضمان الاجتماعي ما يقارب أربعة أضعاف المتوسط الإفريقي (7 %)، كما أن الضريبة على الدخل فيه أعلى أيضا. وهذا ما يجعله أقرب إلى نماذج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، على الرغم من أن الضريبة على القيمة المضافة فيه (20%) أقل أهمية من مثيلتها في القارة (27%).

وتحتل جزر سيشل المرتبة الثانية بنسبة 29.1% مقارنة بالناتج الداخلي الخام، مسجلة ارتفاعا ملحوظا (زائد 1.3 نقطة في عام 2023) بعد أدنى مستوى لها في عام 2022. ويختلف نموذجها الضريبي اختلافا جذريا. فالمصدر الرئيسي للمداخيل الضريبية في سيشل هو الضريبة على القيمة المضافة التي تمثل 34%.

ويأتي في المرتبة الثانية الضرائب المفروضة على السلع والخدمات الأخرى غير الضريبة على القيمة المضافة (26%). ويعكس الاعتماد الكبير على ضرائب الاستهلاك (الضريبة على القيمة المضافة + الضرائب الأخرى على السلع/الخدمات تساوي 60% من المداخيل)، إلى جانب الضريبة على الدخل المتواضعة نسبيا (13%) واشتراكات الضمان الاجتماعي (9%)، اقتصادا يركز بشكل كبير على السياحة والخدمات.

يحتل المغرب المرتبة الثالثة بنسبة 28.5% مقارنة بالناتج الداخلي الخام، على الرغم من انخفاضها بمقدار 1.4 نقطة في عام 2023. ومع ذلك، يظهر المغرب نموا قويا بنسبة 2.6 نقطة منذ عام 2013. وكما يشير التقرير، فإن «المصدر الرئيسي للمداخيل الضريبية في المغرب هو الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 26%».

وتأتي في المرتبة الثانية اشتراكات الضمان الاجتماعي (23%). ويظهر هذا الهيكل توازنا نسبيا، حيث تقترب حصة الضريبة على القيمة المضافة من المتوسط الإفريقي، مع مساهمات كبيرة في الضمان الاجتماعي، والضريبة على الشركات (17%) التي تقل عن المتوسط القاري (21%).

الدينامية المالية المغربية تؤكدها المعطيات الوطنية التكميلية، إذ تظهر ارتفاع المداخيل الضريبية من 275.008 مليار درهم في عام 2023 إلى 313.061 مليار درهم في عام 2024، بنسبة تحصيل بلغت 111.6%، ووصلت إلى 319.102 مليار درهم متم نونبر 2025 (96.8% من توقعات قانون المالية).

وتحتل جنوب إفريقيا المركز الرابع (26.5% من الناتج الداخلي الخام). ورغم انخفاض طفيف في عام 2023 (ناقص 0.7 نقطة)، إلا أن نسبتها لا تزال مرتفعة. ويتميز هيكلها الضريبي بخصوصية فريدة، إذ تشكل الضريبة على الدخل المصدر الرئيسي للمداخيل الضريبية بنسبة 34%.

وتعد الضريبة على القيمة المضافة (24%) ثاني أكبر مصدر للمداخيل، بينما تشكل مساهمات الضمان الاجتماعي نسبة ضئيلة (1%)، وهي حالة استثنائية ضمن قائمة الدول العشر الأولى. وتحتل موريشيوس المركز الخامس (23.1% من الناتج الداخلي الخام)، حيث ارتفعت هذه النسبة (زائد 0.8 نقطة) لتصل إلى أعلى مستوى تاريخي لها. ويشبه نموذجها نموذج سيشل، إذ يعتمد بشكل كبير على الضريبة على القيمة المضافة (34%) وضرائب أخرى على السلع والخدمات (23%).

وتحتل ليسوتو المركز السادس بنسبة 22.7%، وهي أيضا أعلى نسبة لها (زائد 0.9 نقطة). ويتسم نظامها الضريبي بارتفاع معدل الضريبة على القيمة المضافة (42%) ومعدل ضريبة على الدخل مرتفع (40%)، مع عدم وجود مساهمات في الضمان الاجتماعي وفقا لمعايير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

أما ناميبيا فتحتل المركز السابع بنسبة 22.1%، حيث يعتمد هيكلها الضريبي بشكل كبير على الضريبة على الدخل (37%) والضريبة على القيمة المضافة (34%). وتحتل موزمبيق، بنسبة مستقرة ولكنها أقل بكثير (ناقص 4.4 نقطة) منذ عام 2013، المرتبة الثامنة بنسبة 21.3%. ويشير التقرير إلى ضرورة توخي الحذر في تفسير هذه النسبة نظرا لتقلبات مداخيل تراخيص الصيد.

وتعد الضريبة على الشركات (32%) المصدر الرئيسي لمداخيلها، تليها الضريبة على القيمة المضافة (30%). أما السنغال، فتحتل المرتبة التاسعة بنسبة 19.6% من الناتج الداخلي الخام. ويهيمن على هيكلها الضريبي الضريبة على القيمة المضافة (33%) وضرائب أخرى على السلع والخدمات (28%). وأخيرا، تتميز بوركينا فاسو، التي تحتل المرتبة العاشرة بنسبة 19.5% من الناتج الداخلي الخام، بهيكل فريد حيث تتقاسم الضريبة على القيمة المضافة و الضرائب الأخرى على السلع والخدمات المرتبة الأولى بنفس النسبة، وهي 29%.

ما وراء التصنيف

يكشف تحليل الدول العشر الأولى عن اتجاهات مهيكلة وتناقضات عميقة تتجاوز مجرد ترتيب التصنيف. أولا، يتضح وجود فجوة كبيرة مع المتوسط القاري، حيث تتجاوز كل دولة من الدول المذكورة هذا المتوسط بشكل ملحوظ، بفارق يتراوح بين 3.4 و17.9 نقطة. وتبرز هذه الفجوة التحديات الهائلة التي تواجه تعبئة الموارد المحلية لمعظم الاقتصادات الإفريقية، وهو شرط أساسي لتمويل تنميتها بشكل مستقل ومستدام.

ثانيا، لا يوجد توحيد في الهياكل الضريبية، مما يكشف عن نماذج اقتصادية وخيارات سياسية متباينة. على وجه الخصوص، يلاحظ نموذج يتمحور حول الضمان الاجتماعي، كما هو الحال في تونس، وبدرجة أقل في المغرب، ويعتمد بشكل كبير على اشتراكات الضمان الاجتماعي.

وفي المقابل، يسود نموذج قائم على الاستهلاك في دول مثل سيشل وموريشيوس والسنغال وبوركينا فاسو وليسوتو، ويتسم بهيمنة الضريبة على القيمة المضافة وغيرها من الضرائب على السلع والخدمات، والتي غالبا ما ترتبط باقتصادات الخدمات أو بالسعي إلى ضمان وعاء ضريبي واسع وأسهل إداريا من أجل تحصيلها.

وفضلا عن ذلك، تبرز نماذج ناذرة في صدارة التصنيفات، مثل تلك التي تركز على الدخل، كما هو الحال في جنوب أفريقيا وناميبيا حيث تعد الضريبة على الدخل المصدر الرئيسي للمداخيل، أو تلك القائمة على أرباح الشركات، كما هو الحال في موزمبيق، والتي غالبا ما ترتبط بوجود الصناعات الاستخراجية أو المشاريع الاستثمارية الضخمة.

ثالثا، خلال العقد الماضي، ظهر اتجاه تصاعدي عام في النسب، على الرغم من أن الأداء لا يزال متفاوتا. فبينما ارتفع المتوسط الأفريقي بمقدار 1.4 نقطة بين عامي 2013 و2023، سجلت معظم الدول العشر الأولى زيادات أكبر، مثل تونس (زائد 5.7 نقطة)، وموريشيوس والسنغال (زائد 4.2 نقطة لكل منهما)، وبوركينا فاسو (زائد 3.6 نقطة).

تظهر هذه الدينامية قدرة مثبتة على تعزيز تحصيل المداخيل على المدى المتوسط. يعد المغرب، الذي شهد ارتفاعا قدره 2.6 نقطة خلال هذه الفترة، جزءا من هذا الاتجاه الإيجابي، على الرغم من انخفاض مؤقت في عام 2023. وتعتبر سيشل، وموزمبيق على وجه الخصوص، استثناء، حيث شهدتا انخفاضا في النسب، لا سيما الأخيرة التي سجلت انخفاضا ملحوظا قدره 4.4 نقطة، مما يبرز التقلبات المحتملة في المداخيل المرتبطة بقطاعات محددة.

وأخيرا، تفرض الضريبة على القيمة المضافة نفسها كركيزة أساسية، وإن لم تكن شاملة، للتمويل العام. فهي تشكل المصدر الرئيسي للمداخيل في ست من الدول العشر، والمصدر الثاني في دولتين أخريين، بمتوسط في هذه الاقتصادات أعلى بقليل من المتوسط المسجل في منطقة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

ومع ذلك، تظهر حالة تونس وجنوب إفريقيا أنه يمكن تحقيق نسبة عالية من الضرائب مقارنة بالناتج الداخلي الخام مع تقليل الاعتماد على هذه الضريبة الاستهلاكية، وذلك بفضل التعويض من خلال قواعد ضريبية أخرى، مثل اشتراكات الضمان الاجتماعي أو الضريبة على الدخل، مما يشير إلى طرق بديلة لبناء نظام ضريبي مختلط وربما أكثر تصاعدية.

وهكذا، تحدد قائمة أعلى عشر دول أفريقية من حيث المداخيل الضريبية مقارنة بالناتج الداخلي الخام الدول الأكثر فعالية في تعبئة مواردها المحلية. وتظل تونس، بفضل نظامها الذي يدمج بشكل كبير مساهمات الضمان الاجتماعي، المرجع.

وتكشف سيشل وموريشيوس جدوى نموذج ضريبي قائم على الاستهلاك في اقتصادات الجزر القائمة على الخدمات. أما المغرب، الذي يحتل المرتبة الثالثة، فيتميز بنموذج أكثر توازنا ونمو مستدام في مداخيله بالقيمة المطلقة، كما يتضح من أحدث الأرقام الصادرة عن الخزينة العامة للمملكة.

ومع ذلك، تواجه هذه الإنجازات تحديات كبيرة: ضيق الوعاء الضريبي، ومكافحة التهرب الضريبي والاحتيال، والاعتماد على القطاعات الأولية والموارد الاستخراجية بالنسبة لبعض الدول، والحاجة إلى إنفاق عام فعال وشرعي.

وكما يشير التنوع الكبير في الهياكل الضريبية، لا يوجد نموذج واحد للنجاح المالي في إفريقيا. وترتبط الفعالية بالقدرة على تكييف النظام مع البنية الاقتصادية والمؤسسات والعقد الاجتماعي لكل دولة.

لا يزال التحدي، بالنسبة لهؤلاء الرواد الأفارقة في مجال الضرائب كما هو الحال بالنسبة لغيرهم، يتمثل في تحويل هذه المداخيل إلى تنمية اقتصادية ملموسة وتحسين رفاهية شعوبهم. لا يزال الطريق إلى الاستقلال المالي القوي طويلا، لكن هذه القائمة لأفضل عشرة اقتصادات تظهر أن بعض الاقتصادات الأفريقية تحقق نجاحا ملحوظا في مواجهة تحدي تعبئة الضرائب.

تحرير من طرف موديست كوامي
في 01/01/2026 على الساعة 09:00