استثمارات ومداخيل ومناصب شغل: السياحة.. المحرك الجديد للاقتصاد الإفريقي

السياحة بإفريقيا (صورة تعبيرية)

في 01/01/2026 على الساعة 07:00

باستثمارات ضخمة، ومداخيل بالعملات الأجنبية في ارتفاع، وقدرة متنامية على هيكلة القطاعات الإنتاجية، تبرز السياحة كأحد أكثر محركات الاقتصاد الإفريقي دينامية. فبعد أن تعافت إفريقيا بوتيرة أسرع من أي منطقة أخرى في العالم عقب وباء كوفيد-19، باتت لديها رؤية استراتيجية لهذا القطاع، تتجاوز بكثير مجرد جذب السياح.

منذ وباء كوفيد-19، أثبتت السياحة الإفريقية أنها قطاع حيوي وفعال. فبحسب مقياس السياحة العالمي الصادر عن الأمم المتحدة، سجلت إفريقيا نموا بنسبة 12% في عدد الوافدين الدوليين خلال النصف الأول من عام 2025، وهو أسرع معدل نمو في العالم، متجاوزة بذلك أي منطقة أخرى في العالم. حتى قبل ذلك، بدأت هذه الأرقام تثير دهشة المراقبين. وبحلول عام 2023، استعادت القارة ما يقرب من 96% من مداخيلها السياحية قبل الجائحة، مع أداء وجهات سياحية مثل تنزانيا وموريشيوس والمغرب الذي فاق هذه المستويات المرجعية.

هذا الانتعاش، الذي استمر أيضا خلال عام 2025، يبرز كيف استطاع هذا القطاع تحويل صدمة غير مسبوقة إلى دينامية نمو قوية. لم يعد الأمر مجرد عودة إلى مستويات ما قبل عام 2020، بل تجاوز التوقعات من حيث أعداد السياح والمداخيل. وتضع الزيادة في أعداد الوافدين الدوليين أفريقيا على مسار كان يبدو، قبل بضع سنوات بعيد المنال.

ولا تقتصر هذه الدينامية على مجرد انتعاش مؤقت، بل تعكس تحولا عميقا في دور السياحة في الاقتصادات الإفريقية. فبحسب معطيات جمعتها هيئة السياحة التابعة للأمم المتحدة، استقطبت القارة أكثر من 105 مشاريع سياحية جديدة منذ عام 2019، بقيمة إجمالية بلغت 6.6 مليار دولار ، ووفرت أكثر من 15100 منصب شغل مباشر.

ويرافق هذا النشاط المتزايد اتساع النطاق الاقتصادي للسياحة، فلم تعد السياحة مجرد نشاط موسمي أو هامشي، بل أصبحت محركا للتحول الاقتصادي. وهكذا، يساهم هذا القطاع الآن بنسبة كبيرة من صادرات الخدمات في العديد من الاقتصادات الإفريقية، ويلعب دورا مهما في التوازنات التجارية الوطنية.

ويرتبط انتعاش السياحة الدولية بتسارع وتيرة الاستثمار الأجنبي، الذي ينظر إلى الوجهات الإفريقية ليس فقط كفرصة لتحقيق الأرباح، بل أيضا كرافعة لتعزيز القيمة المضافة المحلية.

ووراء هذه الأرقام الإجمالية، تتباين المسارات الوطنية بشكل كبير. فدول مثل المغرب، بفضل موقعها الجغرافي واستراتيجيتها في المجال الجوي، حطمت مؤخرا أرقامها القياسية في السياحة، مسجلة أكثر من 17 مليون زائر في عام 2024، بزيادة قدرها 20% مقارنةً بعام 2023، مع ترسيخ مساهمة كبيرة في الناتج الداخلي الخام.

ومثال آخر هو رواندا، حيث أصبحت السياحة مصدرها الرئيسي للعملات الأجنبية، مدعومة بسياسة استباقية لتطوير السياحة البيئية واستضافة الفعاليات الدولية، مع أكثر من مليون وافد ومساهمة متوقعة تتجاوز 10% في الناتج الداخلي الخام بحلول عام 2024.

وفي جنوب إفريقيا، تزداد جاذبية وجهات مثل كيب تاون، حيث يتوقع أن تستقبل أكثر من 2.4 مليون زائر بحلول عام 2024، وتمثل السياحة ما يقرب من 10% من الناتج الداخلي الخام الجهوي، مما يعزز القدرة التنافسية للقطاع في المناطق ذات الإمكانات العالية للموارد الطبيعية. وتكشف هذه النجاحات الفرص الكامنة وقدرة الاقتصادات الأفريقية على الاستفادة من أصولها -التنوع البيولوجي الاستثنائي، والثقافات المتنوعة، والسواحل والمناظر الطبيعية الخلابة- في سوق السياحة العالمية التي تعرف تغييرات جوهرية.

فرص اقتصادية متعددة وعميقة

وفضلا عن أعداد الزوار، يخلق قطاع السياحة في أفريقيا فرصا اقتصادية بنيوية هائلة. فالأمر يتعلق بداية بمصدر مهم لمناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة، إذ تشير العديد من الدراسات الحديثة إلى إمكانية توفير ملايين مناصب الشغل الإضافية بحلول نهاية العقد الحالي في حال تحسن ظروف الاستثمار واندماج سلاسل القيمة.

وتبرز الاستثمارات في البنيات التحتية للمطارات والفنادق، والنقل الداخلي، والمنتجات السياحية المبتكرة -بدءً من قطاع الاجتماعات والحوافز والمؤتمرات وصولا إلى الجولات الثقافية والسياحة البيئية- كعوامل محركة للاندماج الجهوي وخلق الثروة. ويمثل هذا تحولا في التوجه، يتجاوز مجرد زيادة أعداد السياح الدوليين ليشمل اعتبارات الإنتاجية والاستدامة والروابط مع القطاعات الاقتصادية الأخرى.

وتنعكس هذه الفرص أيضا في الاهتمام المتزايد من المستثمرين الدوليين، المستعدين للاستثمار في المشاريع المهيكلة. ويعكس هذا نظرة متجددة للقارة، فلم تعد تعتبر سوقا هامشية، بل مجالا للنمو الاستراتيجي لشركات السياحة العالمية.

ومع ذلك، فإن هذا الانتعاش لا يخلو من التحديات. من أكثر الأمور إثارة للقلق التوزيع غير العادل للفوائد الاقتصادية للسياحة، لا سيما في قطاع السياحة الفاخرة. وكما تشير الأبحاث الحديثة، فإن هذا النموذج، الذي يروج له غالبا على أنه «راق وضعيف التأثير»، لا يفيد المجتمعات المحلية دائما، إذ تميل الفنادق العالمية الكبرى إلى الاستحواذ على جزء كبير من المداخيل، بينما تظل مناصب الشغل المستحدثة في كثير من الأحيان منخفضة المهارات والأجور، مما يؤجج التوترات المتعلقة بالأراضي والقضايا الاجتماعية في بعض المناطق.

وفضلا عن ذلك، لا يزال ضعف بعض البنى التحتية الأساسية -كالطرق والمواصلات والخدمات الرقمية- يعيق اندماج بعض الوجهات في المسارات السياحية الدولية. كما لا يزال الربط الجوي، رغم تحسنه، يمثل عائقا أمام تعزيز القدرة التنافسية لإفريقيا بشكل كبير مقارنة بمناطق أخرى من العالم.

ومع ذلك، تمثل هذه القيود أيضا فرصا للتغيير. ففي ظل تزايد الطلب العالمي على التجارب الأصيلة والمستدامة والمسؤولة، يمكن لإفريقيا الاستفادة من ثرواتها الطبيعية والثقافية. وتظهر المبادرات التي تشجع السياحة الشاملة، والموجهة نحو التنمية المحلية والابتكار، رغبة في تجاوز النماذج التقليدية وبناء قطاع سياحي قوي ومفيد على المدى الطويل.

تحرير من طرف محمد نديونغ
في 01/01/2026 على الساعة 07:00