تكشف أحدث معطيات أوروستات (Eurostat) حول واردات الملابس الأوروبية خلال الفترة 2024-2025 عن تسارعٍ في إعادة هيكلة السوق. وإذا كانت الديناميات الآسيوية تهيمن على التحليل، فإن التأثير على الموردين الأفارقة القريبين جغرافيا -المغرب وتونس ومصر- ملموس ومتباين. ويظهر تحليل هذه الأرقام بوضوح أي دولة تعاني من ضغوط المنافسة القوية.
لنبدأ بالإحصائيات المتعلقة بالدول الإفريقية الثلاث التي تعد من بين أكبر عشرة موردين إلى الاتحاد الأوروبي. يظهر تحليل معطيات أوروستات وحصص السوق لواردات الملابس الأوروبية المطابقة لفصول النظام المنسق (SH61 وSH62)، أن مصر تبرز كفاعل إفريقي وحيد يظهر دينامية إيجابية واضحة، مع زيادة ملحوظة بنسبة 16.9% في قيمة صادراتها من النسيج إلى الاتحاد الأوروبي.
يمكنها هذا الأداء من الارتقاء في تصنيف الموردين، محققةً زيادة قدرها 0.10 نقطة مئوية في حصتها السوقية، لترتفع من 0.67% إلى 0.77%. ورغم انطلاقها من قاعدة متواضعة، إلا أن هذه الزيادة تمثل بداية واعدة في سوق تشهد إعادة هيكلة.
وبالمقابل، سجل المغرب انخفاضا طفيفا بنسبة 0.4% في قيمة صادراته، مصحوبا بتراجع طفيف ولكنه ملحوظ في موقعه النسبي، حيث خسر 0.08 نقطة مئوية في حصته السوقية (من 3.11% إلى 3.03%). يشير ركود نسبي، وإن كان أقل وضوحا، إلى تراجع في سوق تعرف نموا.
Dans les ateliers d'une usine de textile-habillement. La Tunisie est le pays qui subit le plus fort recul (-3,6%) parmi les fournisseurs Nord africains de l'UE, entre 2024 et 2025.. DR
أما تونس، فتشهد أكبر انخفاض بين الدول الثلاث. فقد تراجعت صادراتها بشكل ملحوظ بنسبة 3.6% من حيث القيمة، ما أدى إلى خسارة 0.14 نقطة مئوية من حصتها السوقية، إذ انتقلت من 2.50% إلى 2.36%. ويشير هذا التراجع خلال هذه الفترة القصيرة إلى ازدياد حدة المنافسة في قطاعاتها التقليدية.
الأرقام واضحة ومعبرة. ففي الفترة 2024-2025 وحدها، سجلت تونس أكبر انكماش في القيمة المطلقة (ناقص 3.6%) وأكبر خسارة نسبية في حصتها السوقية (ناقص 0.14 نقطة مئوية) بين دول شمال إفريقيا الثلاث. رغم انخفاض قيمة السوق المغربية بشكل طفيف للغاية (ناقص 0.4%)، إلا أنها تشهد تراجعا في موقعها ضمن سوق يشهد نموا عاما، ولكنه يستفيد منه بشكل أكبر عمالقة آسيا ومصر.
وبخصوص مصر، فرغم انطلاقها من قاعدة منخفضة جدا، إلا أنها الدولة الوحيدة من بين الدول الثلاث التي برزت بشكل ملحوظ خلال هذه الفترة، مظهرة دينامية إيجابية قوية.
وأكد رضوان لشكر، الخبير المغربي في قطاع النسيج والملابس، قائلا: «لم نعد نشهد مجرد تقلبات سنوية، بل نلاحظ إعادة توزيع تدريجية للمواقع التنافسية». ويعود هذا الأمر بفائدة كبيرة على جنوب وجنوب شرق آسيا: بنغلاديش (زائد 5.9%، زائد 0.78 نقطة مئوية)، والهند (زائد 7.9%، زائد 0.27 نقطة مئوية)، وباكستان (زائد 9.7%، زائد 0.30 نقطة مئوية)، وكمبوديا (زائد 14.5%، زائد 0.54 نقطة مئوية). حتى الصين، العملاق بلا منازع ولكنه تحت ضغط، حققت نموا طفيفا (زائد 1.2%) رغم انخفاض طفيف في حصتها السوقية (ناقص 0.27 نقطة مئوية).
يعد العامل البنيوي الرئيسي الذي تم تحديده هو تأثير الاتفاقيات التجارية الأخيرة. تنص اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند، التي أُبرمت مؤخرا، صراحةً على خفض تدريجي للرسوم الجمركية على النسيج والملابس.
في الوقت نفسه، عززت الولايات المتحدة علاقتها مع الهند وبنغلاديش، بما في ذلك تخفيضات الرسوم الجمركية على النسيج. تحسن هذه الإجراءات القدرة التنافسية السعرية لهذه الدول في السوق الأوروبية، مما يسرع تحولًا بنيويا بسبب تكاليف إنتاجها وقدراتها الصناعية.
وأمام هذا الاكتساح الآسيوي الذي عززته الاتفاقيات، يبدو أن الموردين التقليديين القريبين من الاتحاد الأوروبي، مثل تركيا (ناقص 10.8%، ناقص 1.34 نقطة مئوية) وتونس على وجه الخصوص، هم أول من يتضرر بشكل مباشر. ويظهر المغرب أداء أفضل من تونس من حيث القيمة المطلقة، ولكن حصته السوقية تتقلص.
استنادا إلى معطيات أوروستات للفترة 2024-2025، وبالتركيز على الدول الإفريقية الثلاث، يبدو أن تونس هي الأكثر تضررا. فمزيج الانخفاض الكبير في قيمة الصادرات (ناقص 3.6%، وهو أكبر انخفاض بين دول شمال أفريقيا الثلاث) والخسارة الملحوظة في الحصة السوقية (ناقص 0.14 نقطة مئوية، وهو أيضا أكبر انخفاض بينها) يشير إلى تراجع نسبي ومطلق في سياق النمو الإجمالي لواردات الاتحاد الأوروبي والمكاسب الآسيوية الكبيرة. وتعد تونس الأكثر عرضة لتزايد المنافسة في قطاعاتها التقليدية.
أظهر المغرب بعض الصلابة في القيمة (ناقص 0.4% فقط)، ولكنه شهد تراجعا طفيفا في موقعه النسبي (ناقص 0.08 نقطة مئوية). وتحافظ المملكة على وضعها بشكل أفضل من تونس على المدى القريب، لكنها لا تستفيد من دينامية السوق كما هو الحال بالنسبة لمصر أو الدول الآسيوية. ويتطلب وضعها توخي المزيد من الحذر.
أما مصر، فتتميز بوضع إيجابي. يظخر نموها المكون من رقمين (زائد 16.9%) وزيادة حصتها السوقية (زائد 0.10 نقطة مئوية)، وإن كانا متواضعين، قدرتها على الاستفادة من جزء من نمو السوق وتحسين قدرتها التنافسية النسبية في هذه البيئة الجديدة، على الأقل على المدى القصير.
لا يعد هذا التوزيع الجديد دوريا، بل هو بنيوي، وقد تسارع بفعل التجارة الجيوسياسية. تدخل تجارة النسيج العالمية مرحلة إعادة تنظيم استراتيجي.
تعد وضعية تونس، التي شهدت أكبر انخفاض في القيمة والحصة السوقية بين نظيراتها الأفريقية المباشرة في الفترة 2024-2025، أول إنذار إلى هذا التوجه في المنطقة. أما المغرب، فرغم مقاومته، إلا أن وضعيته المستقرة باتت أكثر هشاشة نسبيا في مواجهة التقدم الكبير الذي أحرزته مصر، وقبل كل شيء، القوى الآسيوية العملاقة المدعومة باتفاقيات التجارة.
تظهر مصر الطريق نحو دينامية إيجابية محتملة، لكن التحدي الذي يواجه جميع الموردين الأفارقة لا يزال كبيرا في مواجهة الموجة الآسيوية، المدعومة الآن بتعريفات تفضيلية قوية.
وهكذا، وكما يمكن استنتاجه، فإن القدرة التنافسية لن تعتمد بعد الآن على تكاليف الإنتاج أو القرب الجغرافي فحسب، بل ستعتمد بشكل متزايد على الولوج التفضيلي إلى السوق.








