لماذا لازال انضمام الجزائر إلى منظمة التجارة العالمية متعثرا بعد ما يقارب من أربعة عقود؟

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون

في 14/03/2026 على الساعة 01:15

بدأت عملية انضمام الجزائر إلى منظمة التجارة العالمية في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، ولا تزال من أطول العمليات التي شهدها النظام التجاري متعدد الأطراف. فقد انطلقت هذه العملية خلال فترة الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة (التي كانت تعرف بالغات)، ولم تتمخض المفاوضات حتى الآن بعد مرور ما يقارب أربعين عاما عن أي نتيجة. يكشف هذا التأخير عن تناقضات اقتصاد متخلف وموجه، اقتصاد متحفظ تجاه التجارة الحرة، ومعاكس للدينامية العالمية. تحليل.

لماذا لا يزال انضمام الجزائر إلى منظمة التجارة العالمية متعثرا؟ تكمن وراء بطء وتيرة المفاوضات مجموعة من القيود الاقتصادية والمؤسساتية التي تجعل تكيف البلاد مع قواعد التجارة العالمية أمرا صعبا للغاية.

وبحسب الخبير الاقتصادي نبيل بوبراهيمي، المتخصص في التجارة الدولية، فإن العقبة الرئيسية تكمن في طبيعة النموذج الاقتصادي الجزائري ذاته، والذي يتسم باللجوء المتكرر إلى التدابير الحمائية للسوق الداخلي.

وأوضح قائلا: «بمجرد ظهور مشكلة في أي قطاع، تفرض السلطات قيودا لحماية الإنتاج المحلي». وقد تتخذ هذه القيود شكل حظر الاستيراد، أو الحصص، أو الرسوم الجمركية المرتفعة، وهي ممارسات يصعب التوفيق بينها وبين قواعد تحرير السوق التي تدعو لها منظمة التجارة العالمية.

نقطة حساسة أخرى تتمثل في اللجوء إلى تراخيص الاستيراد. ففي بعض القطاعات، لا يسمح إلا للفاعلين الحاصلين على ترخيص محدد باستيراد المنتجات، مما يحد من المنافسة وقد يخلق أوضاعا شبه احتكارية. وأشار بوبراهيمي إلى أن هذه الممارسة، بالنسبة لمفاوضي منظمة التجارة العالمية، تتعارض مع مبادئ الشفافية والانفتاح التجاري التي تحكم التجارة الدولية.

ومن جانبه، أكد عبد السلام سعد جلدي، أستاذ القانون في جامعة محمد السادس متعددة التقنيات والمتخصص في العلاقات الدولية، على ثقل تدخل الدولة في الاقتصاد الجزائري.

وأوضح قائلا: «عضوية منظمة التجارة العالمية تقوم على مبادئ أساسية، أبرزها الانفتاح الاقتصادي والالتزام بالتجارة الحرة. ومع ذلك، فإن تدخل الدولة القوي يضفي على الاقتصاد الجزائري طابعا مركزيا إلى حد كبير».

وبحسب هذا الأكاديمي، يشكل هذا التنظيم الاقتصادي عائقا بنيويا أمام اندماج الجزائر في النظام التجاري متعدد الأطراف. وقال: «لا يزال الاقتصاد الجزائري موجها إلى حد كبير، مما يحد من قدرة رجال الأعمال على العمل في مناخ تنافسي حقيقي».

وتنعكس هذه الوضعية بشكل خاص على الحضور الكبير للمؤسسات العامة في العديد من القطاعات الاقتصادية. وكما أشار نبيل بوبراهيمي أيضا بالقول: «كثيرا ما نجد مؤسسة عامة تسوق منتجا وتستفيد من امتيازات لا تتمتع بها الشركات الأخرى».

انعدام الثقة

للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، يجب على الدول المرشحة أيضا تحديد سقف لرسومها الجمركية والالتزام بعدم تجاوز مستويات جمركية معينة.

ومع ذلك، ووفقا لنبيل بوبراهيمي، لا تزال الجزائر تفرض رسوما جمركية مرتفعة نسبيا في العديد من القطاعات. وأوضح قائلا: «يعرف خبراء منظمة التجارة العالمية أن الجزائر تفرض رسوما جمركية مرتفعة، مما يخلق انعداما للثقة في قدرتها على الوفاء بالتزاماتها».

كما تشترط المنظمة مستوى عال من الشفافية. وأشار الخبير الاقتصادي إلى أنه «يجب نشر جميع القوانين التجارية وتصبح في متناول الجميع. وفي حال تغيير أي قانون، يجب إخطار منظمة التجارة العالمية». يهدف هذا المبدأ إلى ضمان وضوح السياسات التجارية للمستثمرين والشركاء الاقتصاديين. غير أن الاقتصاد الجزائري يعد من أكثر الاقتصادات غموضا في العالم، ويحرص النظام بشدة على الحفاظ على هذا الغموض، الذي يضمن امتيازات لقادته ويسمح له بنشر أرقام لا يمكن التحقق منها.

كما يبقى الولوج إلى السوق الجزائرية محدودا نسبيا أمام المستثمرين الأجانب. ووفقا لنبيل بوبراهيمي، قد تتخذ قرارات الاستثمار أحيانا على أساس كل حالة على حدة، مما يحد من وضوح الإطار الاقتصادي.

وأكد عبد السلام سعد جلدي أن هذه الوضعية قد تعيق المبادرات الاقتصادية. وأوضح قائلا: «إن غياب القواعد الواضحة قد يقلص من جاذبية البلاد للمستثمرين الأجانب ويحد من نقل التكنولوجيا».

نظام بنكي وتجاري جامد

تتجلى القيود المؤسساتية أيضا في عمل النظام المالي. ووفقا لعبد السلام سعد جلدي، فإن جمود النظام البنكي الجزائري يشكل عائقا للمبادلات التجارية.

ويجسد مشروع منطقة التجارة الحرة على الحدود الجزائرية-الليبية هذه الصعوبات. فعلى الرغم من إعادة فتح الحدود بين الجزائر وليبيا، واجه الفاعلون الاقتصاديون عقبات إدارية وبنكية كبيرة. وأوضح جلدي أن المستوردين الليبيين، غير الملمين بالإجراءات البنكية الرسمية، غالبا ما يفضلون الدفع نقدا، وهو ما ترفضه غاليا البنوك الجزائرية.

ونتيجة لذلك، تبقى المبادلات التجارية المحتملة محدودة، مما يعيق مبادرات الاندماج الاقتصادي الإقليمي.

ويرى عبد السلام سعد جلدي أن السلطات الجزائرية عملت على تبني استراتيجية اقتصادية تقوم على حماية السوق المحلي والحفاظ على قطاعات معينة تعتبر استراتيجية.

وتترجم هذه المقاربة إلى حذر شديد في ما يتعلق بالالتزامات التجارية التي قد تزيد من المنافسة الأجنبية. ويجسد التعثر في المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي بشأن مراجعة اتفاقية الشراكة الموقعة عام 1995 هذا الموقف.

وأضاف جلدي أن الجزائر تتبنى مقاربة سيادية في سياستها التجارية، ساعية إلى الحفاظ على هامش كبير من الحرية في تدبير أدواتها الجمركية وغير الجمركية.

غير أن العضوية في منظمة التجارة العالمية تفترض تطبيق سياسة تجارية شفافة وقابلة للتنبؤ، فضلا عن احترام المبادئ الأساسية، مثل مبدأ «دولة أولى بالرعاية»، الذي يفرض منح جميع الأعضاء المزايا التجارية نفسها، بحسب المصدر ذاته.

الاعتماد البنيوي على المحروقات

تعد بنية الصادرات الجزائرية أيضا عنصرا محوريا في هذا النقاش. إذ يعتمد اقتصاد البلاد بشكل شبه كامل على المحروقات، ولا سيما النفط والغاز.

ويرى نبيل بوبراهيمي أن هذا الاعتماد يقلص من الميزة الاستراتيجية للانضمام السريع إلى منظمة التجارة العالمية. وأكد قائلا: «عندما يعتمد اقتصاد ما بشكل أساسي على منتوجين يسهل بيعهما في السوق الدولية، يضعف الدافع للانضمام».

كما تعد عملية الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية من أكثر العمليات صرامة في النظام الدولي. يتعين على كل دولة مرشحة إجراء مفاوضات ثنائية مع أعضاء المنظمة والإجابة على العديد من الأسئلة التقنية المتعلقة بسياستها التجارية.

وأوضح نبيل بوبراهيمي قائلا: «يتعين على المفاوضين شرح كل إجراء وتبريره: الرسوم الجمركية، والإعانات، والقوانين التجارية، وقواعد المنشأ». وتشمل هذه المفاوضات فرقا من الخبراء من وزارات عديدة -التجارة، والمالية، والفلاحة، والشؤون الخارجية- وتتطلب إعدادا تقنيا مهما.

وإلى جانب القيود الاقتصادية والتقنية، يثير الخبراء أيضا التردد السياسي المستمر لدى السلطات الجزائرية.

ووفقا لنبيل بوبراهيمي، فإن عملية الانضمام تعتمد إلى حد كبير على رغبة الدولة المرشحة. وأوضح: «لن تجبر منظمة التجارة العالمية أي دولة على الانضمام. إن السلطات الوطنية هي التي يجب أن تحدد الجدول الزمني للمفاوضات وتطبق الإصلاحات الضرورية».

ومع ذلك، في الجزائر، يدور نقاش داخلي حول مزايا ومخاطر عضوية منظمة التجارة العالمية منذ عدة سنوات. وأشار عبد السلام سعد جلدي إلى أن بعض المسؤولين يفضلون مقاربة سيادية للسياسة التجارية. وأكد قائلا: «ترغب الجزائر في الحفاظ على هامش كبير من الحرية في تحديد أدواتها التجارية».

ما هي المخاطر التي تحيط بالجزائر في حالة بقائها خارج منظمة التجارة العالمية؟

يرى عبد السلام سعد جلدي أن البقاء خارج النظام التجاري متعدد الأطراف ينطوي على مخاطر اقتصادية عديدة.

وأوضح: «تستفيد الدول الأعضاء من قواعد مشتركة تسهل التجارة، بما في ذلك عدم التمييز وتخفيض الرسوم الجمركية». وببقاء الجزائر خارج المنظمة، قد تواجه حواجز تجارية أو حصصا أعلى على صادراتها.

كما أن عدم العضوية قد يقلص من جاذبية البلاد للمستثمرين الأجانب ويحد من فرص التنويع الاقتصادي. وأشار إلى أن «الشركات قد تبقى محصورة في سوق محلية محمية، مما يقلص من قدرتها على الابتكار وصمودها في مواجهة الصدمات الاقتصادية».

وأخيرا، لا تستطيع الدول غير الأعضاء الاستفادة الكاملة من آليات تسوية المنازعات التابعة لمنظمة التجارة العالمية في حال نشوب نزاع تجاري.

وبالتالي، يعكس تأخر الجزائر في عملية انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية معضلة استراتيجية. فبين الرغبة في الحفاظ على نموذج اقتصادي حمائي والحاجة إلى مزيد من الاندماج في التجارة العالمية، لا تزال السلطات الجزائرية مترددة بشأن المسار الذي يتعين عليها اتباعه.

وخلص نبيل بوبراهيمي إلى أن «السؤال الأساسي الذي يطرحه المسؤولون الجزائريون بسيط: ما الذي سنربحه وماذا سنبيع في الأسواق الدولية؟». باستثناء الوقود الأحفوري، لا تستطيع الجزائر حاليا بيع أي شيء على المستوى الدولي. وتبعا لذلك، تعد الجزائر من بين الدول القليلة في العالم التي لم تنضم بعد إلى منظمة التجارة العالمية. إن ذكر إيران وسوريا وبيلاروسيا والصومال والسودان وجنوب السودان ضمن الدول غير الأعضاء في منظمة التجارة العالمية يساعد على فهم الفئة التي ينتمي إليها النظام الجزائري.

تحرير من طرف وديع المودن
في 14/03/2026 على الساعة 01:15