بعد ارتفاعٍ بنسبة 12.3% في الواردات الأوروبية من النسيج والملابس بنهاية النصف الأول من عام 2025، استمر هذا الاتجاه بنهاية شتنبر 2025، مع نمو بنيوي مدفوعٍ بالهجوم الآسيوي. تكشف أحدث معطيات أوروستات لنهاية شتنبر 2025، الصادرة عن الجمعية المغربية لصناعات النسيج والملابس، عن زيادات مستدامة للموردين الرئيسيين: بنغلاديش (زائد 13.2% إلى 15.25 مليار أورو)، والصين (زائد 9.9% إلى 19.76 مليار أورو)، وفيتنام (زائد 14.2% إلى 3.25 مليار أورو).

يؤكد هذا الاتجاه، الذي تفاقم بفعل التحول في تدفقات الواردات الصينية بسبب الرسوم الجمركية الأمريكية (التي وصلت إلى 100% في عهد ترامب)، التوقعات بأن الرسوم الجمركية الحمائية ستولد اهتماما أكبر من جانب المنتجين الآسيويين بالسوق الأوروبية.
تجدر الإشارة إلى أن هذا الاتجاه التصاعدي مدفوع بتدفق هائل من المنتجات الآسيوية منخفضة التكلفة. في هذا السياق، تناضل ثلاثة موردين أفارقة للحفاظ على قدرتهم التنافسية، ومن هنا تأتي أهمية تحليل مساراتهم.
تشهد مصر نموا قويا (زائد 19.4%)، بينما تشهد تونس (تاسع أكبر قاعدة توريد للاتحاد الأوروبي من حيث قيمة الواردات) تراجعا (ناقص 3.2%)، في حين يحافظ المغرب، الذي يحتل المرتبة الثامنة، على مكانته بزيادة متواضعة، ولكن إيجابية (زائد 1%). تظهر هذه الصلابة النسبية، في سوق أوروبية سريعة التغير، تساؤلات جوهرية حول الاستراتيجيات الصناعية والتجارية لدول شمال إفريقيا في مواجهة الهيمنة الآسيوية.
لماذا المغرب هو أفضل من جيرانه؟
تظهر المعطيات الرئيسية المتعلقة بواردات الاتحاد الأوروبي من النسيج، حتى نهاية شتنبر 2025 وللفترة نفسها من عام 2024، ديناميات متباينة داخل حوض البحر الأبيض المتوسط. فقد حقق المغرب نموا معتدلا، ولكنه إيجابي بنسبة 1%، ليصل إلى 2.092 مليار أورو في رقم المعاملات، في حين سجلت مصر زيادة مذهلة بنسبة 19.4% لتصل إلى 509 ملايين أورو. من ناحية أخرى، شهدت تونس انخفاضا بنسبة 3.2% لتصل إلى 1.572 مليار أورو. يجب النظر إلى هذه التطورات في سياق الغزو الآسيوي، الذي استحوذ بالفعل على 75.8% من حصة السوق الأوروبية في نهاية يونيو.
وإذا كان أداء مصر قويا، إلا أنها تعتمد على قاعدة تصدير محدودة (426 مليون أورو في نهاية شتنبر 2024)، أي أقل بأربع مرات من حجم المغرب. أما تونس، فتدفع ثمن ضعفها في سوق أوروبية تهيمن عليها شريحة السلع منخفضة/متوسطة المستوى، كما حللها جون فرانسوا ليمانتور، الخبير الدولي الأول في قطاعات النسيج والملابس والأزياء، ورئيس الجمعية الأورومتوسطية مدراء النسيج والملابس، «هذا التوجه هو نتيجة تحول استهلاك الملابس الأوروبية نحو المنتجات منخفضة التكلفة»، وهي شريحة تهيمن عليها آسيا بفضل «انخفاض أجورها وهيمنتها كمنتج للمواد الخام النسيجية».
وهكذا، يحافظ المغرب على مكانته في بيئة مضطربة بسبب المنافسة الآسيوية الشديدة، لكن قدرته على الصمود لا تزال هشة في مواجهة أحجام آسيوية هائلة. على سبيل المثال، بلغت قيمة واردات الاتحاد الأوروبي من الصين وبنغلاديش بنهاية شتنبر 2025 حوالي 35 مليار أورو، أي ما يعادل 17 ضعف صادرات المغرب.
وتجدر الإشارة إلى أن صمود المغرب تنبع من استراتيجية صناعية محددة ومنظومة مؤسساتية دينامية. على الصعيد التنافسي، لا يستطيع المغرب منافسة تكاليف الإنتاج الآسيوية: إذ تمثل الأجور في بنغلاديش ثلث مستويات الأجور في الصين، بينما تتمتع مصر بمزايا بنيوية. وتعوض البلاد هذا النقص بنقاط قوة مميزة: قربها الجغرافي من أوروبا (فترات تسليم أقصر)، وجودة معتمدة، ومرونة إنتاج تلبي متطلبات «الموضة السريعة».
وبالموازاة مع ذلك، تسرع الجمعية المغربية لصناعات النسيج والألبسة تحولها الرقمي من خلال «الجواز الرقمي» الذي طور بالتعاون مع الفيدرالية المغربية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتركز على الابتكار خلال الدورة الثانية والعشرين من معرض «المغرب في الموضة 2025». تستجيب هذه المبادرات «للضغط الشديد على الأسعار» الناتج عن التحول الهائل للصادرات الآسيوية إلى الاتحاد الأوروبي، والذي تفاقم بفعل الحرب التجارية بين ترامب وشي جين بينغ.
على المستوى المؤسساتي، تتسجد الشراكة بين الحكومة والمهنيين من خلال الاجتماع المهم الذي عقد في فاتح أكتوبر 2025، بين أعضاء مجلس إدارة الجمعية المغربية لصناعات النسيج والألبسة وكاتب الدولة المكلف بالتجارة الخارجية، عمر حجيرة، بهدف تنفيذ « برنامج التجارة الخارجية 2025-2027» ومعالجة الإكراهات اللوجستية.
إن التوجه نحو أفريقيا، والذي يتجسد في التحضير النشط للمنتدى الثاني لدول منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، المقرر عقده يومي 11 و12 دجنبر 2025 في مراكش، يفتح أسواقا بديلة في مواجهة الحمائية الغربية.
وأخيرا، تستكشف الدبلوماسية الاقتصادية التركية -التي تجسدها في الاجتماع الذي عقد في 27 أكتوبر 2025، بين أنس الأنصاري، رئيس الجمعية المغربية لصناعات النسيج والألبسة، والسفير التركي - «أوجه التآزر الاستثماري» في قطاع النسيج التقنية، مستفيدة من التكامل الصناعي. وتشكل هذه المقاربة متعددة الأبعاد حصنا منيعا في وجه تآكل القدرة التنافسية الذي يعاني منه جيرانها في منطقة البحر الأبيض المتوسط.
Une usine de confection (Photo d'illustration). A fin septembre 2025, la chaîne de production égyptienne affiche une croissance record (+19,4%), mais sa base exportatrice est relativement fragile.. DR
الاختناق الآسيوي مقابل الشلل الأوروبي
يشكل الضغط التنافسي الآسيوي على السوق الأوروبية قنبلة موقوتة ذات آليات صارمة. وتجسد بنغلاديش هذه الظاهرة بميزة مزدوجة: فهي تستفيد من نظام «كل شيء إلا الأسلحة» (الرسوم الجمركية الصفرية في الاتحاد الأوروبي)، وتحافظ على ظروف عمل يستنكرها الكثيرون، حيث يعتبر عمل الأطفال، المحظور نظريا، أمرا شائعا. ويتفاقم هذا التشوه الاجتماعي بفعل تأثير الدومينو للحرب التجارية بين ترامب وشي جين بينغ. فالرسوم الجمركية الأمريكية التي تصل إلى 100% على المنتجات الصينية تعيد توجيه التجارة الآسيوية بشكل كبير نحو أوروبا.
تظهر الصين قدرتها على التكيف من خلال تعديل ضوابط التصدير (المعادن النادرة والمواد الكيميائية) في الوقت الفعلي وتعليق الحواجز مؤقتا للحفاظ على وصولها إلى الأسواق الغربية. يولد هذا الهجوم حلقة مفرغة لأوروبا: من المتوقع أن يتجاوز عجز تجارة الملابس 50 مليار أورو في عام 2025 (60 مليار أورو بما في ذلك النسيج)، ويتفاقم بسبب انخفاض الصادرات (زائد 4%) وانخفاض الإنتاج المحلي، الذي تتقلص حصته بسرعة. وبالتالي يعاني الاتحاد الأوروبي من ضربة مزدوجة -تسارع تراجع التصنيع وزيادة الاعتماد على الموردين الذين يمارسون الإغراق الاجتماعي- دون رد منسق.
الابتكار أو الاختفاء
في مواجهة هذه العاصفة، يجب على الفاعلين المتوسطيين اتخاذ خيارات جذرية. بالنسبة للمغرب، تتمثل الأولوية في تحويل صموده (زائد 1%) إلى ميزة مستدامة من خلال التحول نحو المنتجات ذات القيمة المضافة (النسيج التقني والمسؤولة بيئيا) وتسريع الاندماج الأفريقي من خلال منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، هذه السوق القارية التي تضم 1.3 مليار مستهلك. يكمن الخطر المباشر في اشتداد المنافسة الآسيوية، التي تغذيها الرسوم الجمركية الأمريكية، مما يهدد إمكانات نموها.
ستستفيد تونس، التي تشهد تراجعا (ناقص 3.2%)، من تحديث منشآتها الإنتاجية بشكل عاجل وتنويع أسواقها خارج أوروبا لتجنب الانهيار. أما مصر، فعلى الرغم من نموها الكبير (زائد 19.4%)، فلا تزال عرضة لأي تشديد في المعايير الاجتماعية أو البيئية للاتحاد الأوروبي من شأنه أن يزعزع نموذجها القائم على التكلفة.
وهكذا، فقد حان الوقت بالنسبة لأوروبا لاتخاذ خيار صعب: إما تبني الحمائية على الطريقة الأمريكية (فرض رسوم على الواردات الآسيوية) أو الاستثمار في «الإبداع ودمج التقنيات الجديدة»، كما يؤكد فرانسوا ليمانتور. وتصاحب هذه المعضلة سؤال أخلاقي لا مفر منه: هل يعد الحفاظ على اتفاقية التجارة التفضيلية «كل شيء إلا الأسلحة» لبنغلاديش بمثابة تبرير لاستغلال العمال؟ في غضون ذلك، سيؤدي التقاعس عن العمل إلى إخضاع المنتجين الأوروبيين والمتوسطيين لضغوط أسعار شديدة وهوامش ربح غير مستدامة. يعتمد البقاء على الابتكار الصناعي الفوري.
تؤكد أرقام أوروستات أن المغرب يقاوم الغزو الآسيوي بشكل أفضل من جيرانه المتوسطيين، بفضل استراتيجية استباقية للابتكار والتنويع. إلا أن هذا الصمود لا يزال هشا. فبدون إعادة تموقع شامل نحو سوق السلع الفاخرة وتسريع الاندماج الأفريقي، قد يثبت ضغط عمالقة آسيا -الذي تغذيه الحرب التجارية بين أمريكا والصين- أنه غير مستدام.
في مواجهة هذا الوضع، قد يكمن خلاص الدول الأوروبية في تعزيز التعاون الأورومتوسطي، حيث يمكن للمغرب أن يلعب دور مركز صناعي ورقمي. لم لا؟ لكن الفرصة تضيق في مواجهة آسيا شديدة العدوانية وأوروبا التي تعاني من انهيار تجاري.








