«موديلات» السيارات المُغادرة لإسبانيا في اتجاه المغرب.. اكتشفوا التأثير الحقيقي

Une employée marocaine à l'oeuvre au sein de l'usine Stellantis (ex-PSA) à Kénitra.

عاملة مغربية أثناء عملها داخل مصنع ستيلانتيس (سابقا PSA) في القنيطرة. AFP or licensors

في 23/03/2026 على الساعة 19:37

كل إعلان عن نقل إنتاج إلى المغرب يؤجج سردية التهجير الصناعي في إسبانيا. لكن وراء هذه القراءة، يكمن واقع أكثر تعقيدا. فبين سلاسل القيمة المتداخلة، والتدفقات المتبادلة، ورفع مستوى الجودة في المملكة، يعمل قطاع السيارات على جانبي البحر المتوسط كنظام متكامل، حيث يتلاشى تدريجيا الخط الفاصل بين المنافسة والتكامل.

موديل يغادر مدريد إلى القنيطرة، ومصنع إسباني يتموقع من أجل التركيز على البطاريات، ليشعل الجدل على الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط. منذ سنوات عديدة، أعاد كل إعلان صناعي يتعلق بالمغرب إحياء شبح التهجير الصناعي التدريجي لقطاع السيارات في إسبانيا. ومع ذلك، تخفي هذه القراءة تحولا أعمق. فبعيدا عن مجرد نقل المصانع، يعاد تشكيل منظومة صناعية بأكملها على نطاق أوروبي-متوسطي. بصفته رئيسا لفيدرالية السيارات داخل الاتحاد العام لمقاولات المغرب، يقدم عادل الزايدي قراءة مختلفة، قائمة على مبادئ سلسلة القيمة والتخصص والتكامل.

وأكد أن فكرة السيارات التي يزعم أنها «ستغادر أوروبا ليتم نقلها إلى المغرب»، كما ورد في العديد من وسائل الإعلام الإسبانية، تستحق التوضيح. وقال المتحدث: «يجب بداية تحديد مفهوم مغادرة الموديلات إلى المغرب. ففي صناعة السيارات، لا يتعلق الأمر أبدا بمجرد نقل الإنتاج من مصنع أوروبي إلى مصنع مغربي، بل يتعلق الأمر بإعادة توزيع المنصات، والتخصص الصناعي، وتحسين القدرات الإنتاجية داخل المجموعة نفسها».

وفي الواقع، تنتج حاليا في المملكة العديد من الموديلات الشهيرة المخصصة للسوق الأوروبية، مع الحفاظ على ارتباطها الوثيق بالمنظومة الصناعية في القارة.

وأوضح عادل الزايدي قائلا: «اليوم، تصنع سيارتا داسيا سانديرو وداسيا داستر، وهما من أكثر الموديلات مبيعا في أوروبا، في طنجة، لكنهما تستخدمان مجموعة من المكونات والمواد الخام من مصانع أوروبية، بما في ذلك مصانع إسبانية. وينطبق الأمر نفسه على سيارة بيجو 208 في القنيطرة، وكذلك على سيارات مثل سيتروين آمي، وأوبل روكس الكهربائية، وفياط توبولينو». وبالتالي، فإن ما يقع وراء هذه الأمثلة ليس مجرد استبدال، بل إعادة هيكلة صناعية.

تكامل بنيوي بين الضفتين

يرى عادل الزايدي أن العلاقة بين المغرب وإسبانيا تتجاوز إطار التنافس. وأضاف: «في رأيي، هي علاقة في جوهرها تكاملية، حتى وإن وجدت مجالات تنافس طبيعية في بعض القطاعات، لا سيما السيارات الصغيرة والإنتاج الذي يتأثر بالتكلفة. إسبانيا لا تزال قوة أوروبية رائدة في صناعة السيارات، تتمتع بتكامل تكنولوجي وصناعي عال، بينما رسخ المغرب مكانته كمنصة تنافسية ومرنة قريبة من السوق الأوروبية».

وأشار أيضا بقوله: «في الواقع، تشتغل الضفتان أكثر فأكثر كفضاء صناعي واحد موسع. كما تصدر إسبانيا مكونات السيارات إلى المغرب، الذي يعد من أهم أسواقها خارج الاتحاد الأوروبي، مما يظهر بوضوح أن العلاقة بينهما لا تقتصر على التنافس فحسب، بل تشمل أيضا سلسلة قيمة مشتركة»، مؤكدا أن هذا التكامل يندرج في إطار تدفقات تجارية وصناعية مكثفة.

تؤكد الأرقام هذا التكامل والترابط. وأشار رئيس فيدرالية السيارات إلى أن «العلاقات التجارية بين المغرب وإسبانيا قد ازدادت بشكل ملحوظ، مع نمو مستمر منذ بداية ازدهار صناعة السيارات. وقد أصبحت إسبانيا الشريك التجاري الخارجي الرئيسي للمغرب، بقيمة تقارب 23 مليار أورو».

وبغض النظر عن حجم التبادل التجاري، فإن طبيعة المبادلات نفسها هي التي تتغير. في الواقع، في قطاع السيارات، لا تقاس التدفقات التجارية بين المغرب وإسبانيا من حيث حجم التجارة فحسب، بل من حيث الإنتاج المشترك. إذ يمكن أن تعبر المكونات الصناعية الضفتين عدة مرات قبل أن تصبح منتوجا نهائيا.

المغرب ليس مجرد ورشة عمل منخفضة التكلفة

على الرغم من أن التكلفة لا تزال عنصرا أساسيا، إلا أنها لم تعد كافية لتفسير خيارات المصنّعين. وأكد عادل الزايدي: «لا تزال التكلفة عاملا مهما، بالطبع، لكنها لم تعد تفسر كل شيء بمفردها. يوزع المصنّعون العالميون إنتاجهم وفقا لمعايير متعددة: مستوى تنافسية الموقع، والتخصص في موديلات معينة، والقرب اللوجستي من أسواق الوجهة، وسلاسل التوريد الآمنة، والقدرة على خدمة أوروبا، ومنطقة البحر الأبيض المتوسط، وإفريقيا في الوقت نفسه».

وأشار إلى أن المغرب لم يعد يعمل «كمجرد ورشة عمل منخفضة التكلفة، بل كموقع استراتيجي متخصص في منتجات معينة»، مستشهدا بمصنع القنيطرة كمثال على هذا التوجه نحو الارتقاء بالإنتاج.

وأضاف الزايدي قائلا: «اليوم، تستند ميزة المغرب إلى مجموعة من العوامل المتكاملة: القدرة التنافسية من حيث التكلفة، والاندماج في سلسلة القيمة، والأداء اللوجستي، وإطار تجاري مواتي»، مشيرا أيضا إلى الموقع الجغرافي واللوجستي الذي يلعب دورا حاسما. وذكر أن «المغرب يتمتع بقربه المباشر من أوروبا، وميناء طنجة المتوسط المهم، وتوجهه القوي نحو التصدير، وشبكة اتفاقيات تجارية تحسن جاذبيته للمستثمرين».

ونتيجة لذلك، شهدت المنصات المغربية نموا ملحوظا، متحولة إلى «حلقة وصل مهمة في السلسلة العالمية، بغض النظر عن موقعها الجغرافي».

تجاوز مرحلة التجميع

مع التحول إلى السيارات الكهربائية، يسعى المغرب الآن إلى تعزيز مكانته في مراحل الإنتاج الأولى، متجاوزا دوره التاريخي كمصنع تجميع. وأكد عادل الزايدي قائلا: «أعتقد أن المغرب قادر على الحصول على حصة كبيرة من سلاسل القيمة الجديدة، شريطة أن يواصل جهوده. لم نعد نركز فقط على التجميع».

ويستند هذا التطور إلى سلسلة من المشاريع الصناعية المهيكلة التي تعكس تغييرا مهما. وأوضح: «يهدف المغرب من خلال هذه المشاريع إلى إنشاء سلسلة قيمة مندمجة، من المنجم إلى البطاريات»، مشيرا بشكل خاص إلى الاستثمارات الجارية في المواد والمكونات المتعلقة بالبطاريات.

في هذا السياق، لم يعد النقاش يدور حول قدرة المملكة على دمج هذه القطاعات، بل حول مدى تطورها. وأكد قائلا: «لم يعد السؤال هو ما إذا كان المغرب قادرا على دمج سلسلة القيمة هذه، فهو جزء منها بالفعل. السؤال الآن هو إلى أي حد يمكنه الوصول».

المخاوف في إسبانيا تعكس قراءة مغلوطة

على الجانب الآخر من المضيق، تثير هذه التطورات الصناعية مخاوف باستمرار، لا سيما في الأوساط السياسية والنقابية الإسبانية. ويرى عادل الزايدي أن ردود الفعل هاته مفهومة، لكنها لا تعكس دائما واقع الديناميات الصناعية. وقال: «أعتقد أن هذه المخاوف مفهومة من وجهة نظر سياسية، ولكنها تبسيطية من وجهة نظر صناعية».

إن اختزال العلاقة بين البلدين إلى منطق نقل الإنتاج إلى الخارج يعني تجاهل تعقيد سلاسل الإنتاج الحالية. وأوضح قائلا: «اليوم، تفكر شركات صناعة السيارات من منظور سلاسل القيمة الإقليمية. يخلق جزء من القيمة في إسبانيا، وجزء آخر في المغرب، ثم تتدفق هذه القيمة بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط وفقا للاحتياجات الصناعية».

في هذا السياق، لا يظهر المغرب كمنافس مباشر بقدر ما يظهر كأداة لتحقيق تحسين الأداء. وأضاف: «في الواقع، يمثل المغرب فرصة أكثر منه تهديدا. فكفاءة المنصات المغربية تمكن الشركات الإسبانية من التخصص وتعزيز مكانتها».

وأشار إلى أن هذا التكامل يسهم أيضا في الحفاظ على مناصب الشغل في أوروبا. وأكد: «يتطلب الحفاظ على مناصب الشغل وتطويرها في إسبانيا اليوم تعاونا ذكيا مع المنصات الصناعية المغربية».

وبعيدا عن التصورات الوطنية، يتبلور بوضوح تنظيم صناعي جديد بين ضفتي المتوسط. ولخص عادل الزايدي الأمر قائلا: «يكمن التحدي الرئيسي في بناء تكامل أوروبي متوسطي تنافسي، قادر على الحفاظ على القيمة الصناعية وتطويرها في مواجهة المنافسة الآسيوية والأمريكية».

وفي هذا السياق، تتلاشى تدريجيا أهمية التناقض بين أوروبا والمغرب لصالح منطق الاندماج الإقليمي. وختم حديثه قائلا: «لذا، فإن القراءة الصحيحة لا تتمثل في أن أوروبا تعارض المغرب، بل تتمثل في التنظيم الذكي لسلسلة القيمة المشتركة بين ضفتي المتوسط».

تحرير من طرف فائزة غول
في 23/03/2026 على الساعة 19:37