بطالة الشباب في شمال إفريقيا: ما هي المدن في المغرب وتونس والجزائر ومصر التي ستجعل من تراثها محركا للسياحة؟

مدينة فاس

في 29/01/2026 على الساعة 06:00

يقدم البنك الدولي المفارقة التالية: رغم تراثها وثقافتها الاستثنائية، لا تستغل مدن شمال إفريقيا إمكاناتها السياحية الحضرية بالشكل الأمثل. لم يعد السؤال هو ما إذا كان هذه الرافعة قادرة على تسريع التغير، بل أي المدن ستكون السباقة في جعلها محركا تنمويا حقيقيا.

في الوقت الذي تزخر فيه مدن شمال إفريقيا، من مدن تونس القديمة إلى كورنيش الإسكندرية، بتراث ثقافي وتاريخي معترف به عالميا، لا تزال إمكاناتها كمحركات اقتصادية إقليمية من خلال السياحة الحضرية غير مستغلة إلى حد كبير. هذه هي الخلاصة الرئيسية لمقال حديث للبنك الدولي، والذي يسلط الضوء على مفارقة صارخة في ظل الضغط الديموغرافي وانتشار بطالة الشباب.

وبالنسبة لأداء السياحة في دول شمال إفريقيا، تشير أحدث الأرقام الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة للسياحة في 20 يناير 2026 إلى نتائج مهمة: فمن بين الوجهات التي تتوفر معطياتها عن الأشهر الاثني عشر الأولى من عام 2025، حققت عدة وجهات نموا ملحوظا في عدد السياح الوافدين، بما في ذلك مصر (زائد 20%)، والمغرب (زائد 14%)، وتونس (زائد 10%). كما سجل المغرب ومصر نموا قويا في المداخيل خلال الفترة من عشرة إلى اثني عشر شهرا من عام 2025، حيث بلغت الزيادة فيهما زائد 19% وزائد 17% على التوالي، محسوبة بالعملات المحلية. ومع تسجيل 81 مليون سائح في جميع أنحاء القارة عام 2025 (زائد 8%)، تظهر شمال أفريقيا نتائج قوية بشكل خاص (+11%).

وهكذا، تساهم السياحة بشكل كبير في اقتصادات شمال أفريقيا، حيث تمثل 7.3% من الناتج الداخلي الخام للمغرب عام 2024، و5.2% من الناتج الداخلي الخام لتونس، و5.8% من الناتج الداخلي الخام للجزائر، وتُساهم بنسبة تصل إلى 12% من الناتج الداخلي الخام لمصر. ومع ذلك، يعاني هذا القطاع من تركزه في المنتجعات الساحلية أو عدد محدود من المواقع الدينية، مما يحد من توزيع الفوائد وخلق فرص شغل مستدامة. هذا التركيز الضيق يبقي العديد من الموارد الحضرية، بعضها مواقع مدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، دون استغلالها: «لا تزال أسواق الصناعة التقليدية والأحياء التاريخية التي يمكن أن تشكل محركات اقتصادية غير مستغلة بالشكل الأمثل»، وفق ما يؤكده البنك الدولي. ولهذا الاستغلال غير الكافي كلفة اقتصادية واجتماعية، لا سيما في ظل التحدي الملح المتمثل في بطالة الشباب الذي يواجه مدن شمال إفريقيا.

رافعة غير مستغلة بشكل جيد أمام أزمة بطالة الشباب

يحمل قطاع السفر والسياحة في الشرق الأوسط، بما في ذلك أجزاء من شمال إفريقيا، مستقبلا وعدا: إذ من المتوقع خلق ما يقرب من 3.6 مليون منصب شغل جديد خلال العقد القادم، وفقا لتقرير صادر عن المجلس العالمي للسفر والسياحة في ماي 2022. هذه «الكثافة في التشغيل» تضفي قيمة استثنائية على السياحة الحضرية لشمال إفريقيا، التي تواجه تحديا ملحا يتمثل في بطالة الشباب.

وبحسب أحدث المعطيات المتاحة من المفوضية السامية للتخطيط، بلغت نسبة البطالة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاما في المغرب 38.4% في الربع الثالث من عام 2025. وفي الجزائر، وصلت نسبة البطالة بين هذه الفئة العمرية إلى 29.8% في عام 2024، وفقا لمعطيات البنك الدولي المستندة إلى الإحصائيات الوطنية والدولية للعمل. أما في تونس، فقد بلغت هذه النسبة 40.1% في الربع الثالث من عام 2025، فيما شكل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاما 58.6% من العاطلين عن العمل في مصر في الربع الأول من عام 2025.

وفي هذا السياق، تتسم إمكانات التغير الاجتماعي والاقتصادي للسياحة الحضرية بتعدد أبعادها، إذ تتيح، أولا، فرصا مهنية تشمل طيفا واسعا من الكفاءات، بدءا من صيانة المرافق وخدمات الفندقة وصولا إلى أدوار متخصصة للمهندسين المعماريين، والقيمين على المتاحف، والمتخصصين في التسويق الرقمي، ومديري المرافق. ثانيا، تقدم السياحة الحضرية إمكانات هائلة للإدماج. تمثل النساء نسبة كبيرة من رجال الأعمال في قطاع السياحة، وغالبا ما يؤسسن شركات صغيرة ومتوسطة الحجم في قطاعات الفندقة والصناعة التقليدية والخدمات الثقافية. ويجسد مثال جنوب ألبانيا، على الرغم من بعدها الجغرافي، بوضوح إمكانية نقل هذه الإمكانات المدمجة، حيث ذهبت أكثر من نصف آلاف مناصب الشغل الجديدة المستحدثة إلى النساء والشباب وذوي الإعاقة. وفضلا عن ذلك، تتيح استراتيجية السياحة الحضرية المصممة جيدا إمكانية تمديد مواسم الشغل وتوفير مصادر دخل متنوعة، مما يعزز الصلابة الاقتصادية للمجتمعات المحلية.

ثالثا، تضطلع مدن شمال إفريقيا بدور مزدوج بالغ الأهمية، فهي تعد وجهات سياحية وبوابات أساسية لنشر فوائد السياحة إلى المناطق المحيطة بها. باعتبارها مراكز لوجستية توفر الوصول إلى المطارات وخدمات الفندقة ومنصات التسويق، تسهل المدن الوصول إلى الوجهات القروية، وتمكن سكان هذه المناطق القروية من الوصول إلى فرص الشغل والأسواق الحضرية. ويتعزز هذا التفاعل بفضل قدرة المدن على استضافة فعاليات كبرى. ويؤكد البنك الدولي أن «المدن التي تستضيف فعاليات كبرى مثل كأس العالم 2030 في المغرب، وبطولة الحسن الثاني للتنس، وفعاليات ثقافية كالمهرجانات الموسيقية، تجذب السياح من خارج حدودها الوطنية».

وهكذا، يكمن مفتاح الاستفادة القصوى من هذه الميزة الإقليمية في «ربط هذه المعالم السياحية الحضرية بالوجهات الطبيعية والسياحة البيئية والسياحة الفلاحية»، مما يمكن الزوار من الاستمتاع بتجارب إقليمية متنوعة ومتكاملة.

ويتطلب تحقيق الإمكانات الإقليمية للسياحة الحضرية في شمال أفريقيا التنفيذ الاستراتيجي لثلاثة إجراءات ذات أولوية حددها البنك الدولي. أولا، من الضروري فتح وجهات سياحية ثانوية من خلال زيادة المعروض من أماكن الإقامة في هذه المناطق بشكل كبير، وبالتالي تخفيف الازدحام في المراكز السياحية المكتظة وضمان توزيع أكثر عدالة للمنافع الاقتصادية. ثانيا، يعد التحسين الكبير في الربط المادي والرقمي بين المراكز الحضرية والمناطق القروية أو النائية أمرا أساسيا لتيسير الولوج إلى الموارد المحلية. ثالثا، يعد الاستثمار الموجه في تسويق التجارب الإقليمية المندمجة أمرا بالغ الأهمية لترويج المسارات السياحية التي تجمع بين التراث الحضري والمواقع الطبيعية والسياحة البيئية والثقافة المحلية، مما يسهم في خلق عرض متكامل ومتناسق.

وقد قيمت دراسات البنك الدولي الأثر الاقتصادي لهذه التدابير بدقة، حيث أشارت إلى أن «زيادة الطلب السياحي بنسبة 10% في المناطق الأقل حظًا في مصر والمغرب قد تؤدي إلى توفير ما بين 5% و19% من فرص الشغل الإضافية في قطاع الفندقة». وتحدث الفوائد الأولية آثارا إيجابية واسعة النطاق على سلسلة القيمة المحلية بأكملها، مما يؤثر على النقل والترفيه والخدمات المحلية. وعلى الصعيد الاستراتيجي، يشير التحليل إلى أن «مضاعفات دخل الأسر المحلية من السياحة البيئية تتراوح بين دولارين وخمسة دولارات لكل دولار ينفقه السائح»، وهي آلية لإعادة التوزيع تستفيد منها الأسر القروية الفقيرة بشكل غير متناسب. تشكل هذه الدينامية الحميدة الأساس للتنمية الإقليمية المندمجة والعادلة، مما يحول السياحة الحضرية إلى رافعة حقيقية للعدالة المجالية والإدماج الاقتصادي للمناطق المهمشة.

الدروس الرئيسية المستفادة

يكشف تحليل التجارب الدولية عن أربعة مبادئ أساسية لتحقيق تغيير ناجح في شمال إفريقيا. أولا، يحفز الاستثمار العمومي التزام القطاع الخاص، كما يتضح من النموذج الألباني حيث أدى ترميم القصور والمواقع التاريخية من قبل الدولة إلى مضاعفة شركات السياحة وعودة رجال الأعمال من الشتات، وهو نموذج قابل للتطبيق مباشرة على إعادة تأهيل المدن القديمة والمراكز التاريخية في شمال إفريقيا.

ثانيا، تحقق البنيات التحتية السياحية فوائد مزدوجة: فالاستثمارات في البنيات تحسن جودة حياة الزوار من خلال تهيئة المتنزهات وممرات المشاة والفضاءات العامة، بينما تثري المتاحف والمراكز الثقافية والمهرجانات الحياة الثقافية للمقيمين وتجذب الزوار. وتجسد مبادرة تنويع السياحة الإندونيسية، التي تقدم كنموذج لدول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تواجه مشكلة السياحة المفرطة، هذه الازدواجية من خلال توفير 1.2 مليون منصب شغل واستفادة 5.4 مليون نسمة من المقيمين من تحسين البنيات التحتية.

ثالثا، يعد الحفاظ على التراث عاملا محفزا للتشغيل المحلي وتعزيز الصلابة الثقافية: إذ يسهم ترميم المباني في توفير فرص شغل للحرفيين والمهندسين المعماريين والعمال المؤهلين، مع الحفاظ على استمرارية التراث الثقافي. ويظهر مشروع بيروت التجريبي، الذي رمم 12 مبنى تراثيا بعد الانفجار ودعم الصناعات الثقافية والإبداعية، كيف يسهم الحفاظ على التراث في الانتعاش الاقتصادي والنسيج الاجتماعي للمجتمعات، مقدما إطارا عمليا لمدن شمال إفريقيا.

رابعا، تشكل المقاربات التي تركز على الجماعة ضمانة ضد النزعات الإقصائية. ووفقا للبنك الدولي، يمكن للتجديد الفعال أن يراعي حاجيات المقيمين لمنع التغيير الحضري غير الملائم والاكتظاظ، كما يتضح من تجربة قرية بوكتشون هانوك في سيول، حيث أدت الشراكات القوية بين السلطات المحلية والمقيمين إلى وضع خطط تجديد مصممة خصيصا ومستدامة. ويعد هذا مبدأً أساسيا للتوفيق بين تنمية السياحة والحفاظ على الطابع النابض بالحياة للأحياء التاريخية في شمال إفريقيا، وتحويل تحديات الزوار إلى فرص للتماسك الاجتماعي.

من قصبة الأوداية، مرورا بمدن تونس وفاس والدار البيضاء القديمة، وصولا إلى واجهة الإسكندرية البحرية، يكمن التحدي في تحويل هذه المدن إلى مراكز اقتصادية نابضة بالحياة، تخلق فرص شغل، وتحافظ على التراث، وتحفز الازدهار الإقليمي. ويتوقف النجاح على استثمارات سليمة في البنيات التحتية، والكفاءات، والشراكات. إنه ليس أقل من كتابة الفصل التالي في تاريخ هذه المدن، فصل تعج فيه الأسواق القديمة برجال الأعمال، وتوظف فيه المواقع التراثية الشباب المحلي، ويصبح فيه كل زائر سفيرا للمنطقة بأسرها. في ظل أزمة بطالة الشباب، لم يعد التطوير الاستراتيجي والشامل والمستدام لسياحة التراث الحضري خيارا، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية ملحة لدول شمال أفريقيا. الفرصة سانحة، واغتنامها يتطلب رؤية مندمجة والتزاما راسخا.

تحرير من طرف موديست كوامي
في 29/01/2026 على الساعة 06:00