بعد أن ظلت إفريقيا لفترة طويلة على هامش سوق الأرضي النادرة، ترسخ مكانتها تدريجيا كفاعل استراتيجي في التحول العالمي في مجال الطاقة. ووفقا لتحليل متقاطع للتقارير السنوية حول «دراسة موارد الأرضية النادرة في إفريقيا»، الصادرة عن شركات التعدين الإفريقية المدرجة والمعطيات الجيولوجية المتوفرة في ماي 2023، تمتلك القارة 64 رواسب للأرضية النادرة، 34 منها تتكون أساسا من هذه المعادن.
من هذا الإجمالي، 24 رواسب قيد الاستغلال، بينما لا يزال 43 منها في مرحلة الاستكشاف. وتركز ناميبيا لوحدها 16 رواسب، أي ربع جميع الرواسب المعروفة، تليها تنزانيا وملاوي وجنوب إفريقيا.
ووفقا لأحدث التقديرات الجيولوجية، تصل احتياطيات أكسيد الأرضية النادرة من أربعة رواسب تقع في تنزانيا وملاوي وجنوب إفريقيا إلى 1.956 مليون طن. وبتوسيعها لتشمل اثنتي عشرة دولة -بما في ذلك أنغولا وكينيا والغابون ومدغشقر وزامبيا وموزمبيق وبوروندي- تقترب الاحتياطيات من 10.144 مليون طن.
وتحتل تنزانيا المركز الأول في القارة، باحتياطيات تبلغ 887.000 طن و3.339 مليون طن من الموارد المتقدمة، وفقا لتصنيفات وزارة تنمية الأراضي والموارد التنزانية.
تعتبر ثلاثة رواسب إفريقية بالغة الأهمية، وخمسة مهمة، وثلاثة متوسطة الحجم، وثلاثة صغيرة. وتعكس هذه الأرقام دينامية لا تزال في مراحلها الأولى، ولكنها تنطوي على إمكانات جيواقتصادية كبيرة.
رواسب متمركزة في جنوب وشرق إفريقيا
تهيمن رواسب الكربوناتيت على تصنيف الرواسب الإفريقية. وتوجد بشكل ملحوظ في تنزانيا (نغوالا)، وملاوي (سونغوي هيل)، وناميبيا (لوفدال)، وجنوب إفريقيا.
وتجذب الرواسب سهلة الاستغلال، اهتماما متزايدا، لا سيما في مدغشقر وموزامبيق. على الرغم من أن درجاتها أقل من رواسب الصخور الصلبة، إلا أن انخفاض تكاليف استخراجها يمكن أن يسرع الإنتاج.
يعود عمر التمعدن في معظم الرواسب الإفريقية إلى فترات ارتبطت بالنشاط البركاني في إفريقيا، وخاصة في الكونغو وغرب إفريقيا.
يبرز الكربوناتيت في تنزانيا إمكانات القارة. اكتشف هذا الموقع في ثمانينيات القرن الماضي، وكان موضوع اتفاقية استراتيجية في أكتوبر 2022 بين شركة شينغه ريسورسز (الصين) وشركة بيك ريسورسز (أستراليا) لتوريد وتطوير منتجات المعادن المكونة من الأرضية النادرة.
وتشير التحليلات إلى أن تاريخ تمركز الكربوناتيت يعود إلى حوالي 1.04 مليار سنة، ويرتبط بتكوين الصهارة في الوشاح العميق. ويجعله تكوينه الجيولوجي -وهو عبارة عن تداخل دائري بطول 3.8 كيلومتر محاط بحلقة من الفينيت- نموذجا مرجعيا للاستكشافات المستقبلية.
ومن هنا يعتبر موقع نغوالا في تنزانيا أكثر الرواسب تطورا في القارة، حيث من المخطط أن يبدأ الإنتاج الصناعي فيه عام 2027.
وعلى المستوى القاري، لا يزال الإنتاج التجاري للعناصر الأرضية النادرة شبه معدوم. ومع ذلك، يمكن للعديد من المشاريع الكبرى في جنوب وشرق إفريقيا أن تعكس هذا الاتجاه خلال العقد المقبل.
ومن المتوقع أن تنتج المشاريع في جنوب إفريقيا في نهاية المطاف 12,400 طن من العناصر الأرضية النادرة سنويا، مما يضع البلاد في المرتبة السابعة عالميا. وستتبعها أنغولا وملاوي وتنزانيا، مما يعزز مكانة القارة في سلسلة توريد المعادن المهمة العالمية.
Caractéristiques des gisements de terres rares en Afrique
وفقا لتوقعات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (2024)، قد تمثل إفريقيا 7% من الإنتاج العالمي و16% من الإنتاج باستثناء الصين بحلول عام 2034، وهي قفزة نوعية لمنطقة كانت غائبة عن الإحصاءات قبل عشر سنوات فقط.
وعلى الرغم من هذه الإمكانات، لا تزال القارة تواجه نقصا في البنية التحتية الصناعية. ستظل غالبية المعادن المستخرجة تشحن إلى الخارج للتكرير، وخاصة إلى الصين، التي تركز ما يقرب من 90% من طاقة المعالجة العالمية.
يحد هذا اللاتوازن البنيوي من خلق القيمة المضافة المحلية. وقال خبير من بنك التنمية الإفريقي: «السؤال الجوهري لا يكمن في الاكتشاف بقدر ما تكمن في المعالجة». وأضاف قائلا: «فبدون بنية تحتية للفصل أو خبرة في مجال المعادن، ستظل إفريقيا مصدرا للمواد الخام».
ومع ذلك، بدأت تظهر مبادرات جهوية لتجاوز هذا التأخر. تشجع رؤية التعدين الإفريقية، بقيادة اللجنة الاقتصادية لإفريقيا التابعة للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، على اتباع مقاربة منسقة تهدف إلى دمج سلاسل القيمة المحلية وتحقيق المزيد من المداخيل داخل الاقتصادات الإفريقية.
وفي أعقاب قانون المواد الخام الحيوية (الاتحاد الأوروبي، 2023) وقانون خفض التضخم (الولايات المتحدة الأمريكية، 2022)، تقيم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي شراكات عديدة لتأمين سلاسل التوريد الخاصة بهما خارج الصين. وقد أُبرمت عدة اتفاقيات ثنائية مع ناميبيا وزامبيا وملاوي لتطوير ممرات التعدين الأخضر وتمويل البنية التحتية اللوجستية.
تهدف هذه البرامج أيضا إلى تعزيز إمكانية التتبع البيئي وتشجيع المعالجة المحلية، وذلك لتجنب تكرار نموذج الاستخراج الموروث من القرن العشرين.
أمام الطلب العالمي المتزايد على المعادن الاستراتيجية، تتيح السيطرة على الأراضي النادرة لأفريقيا نفوذا جيوسياسيا غير مسبوق. إن إنشاء إطار للتعاون بين الحكومات -على غرار منظمات النفط الإقليمية- من شأنه أن ينسق الأنظمة الضريبية، ويجذب الاستثمارات المسؤولة، ويرفع قيمة الصادرات.
يقدر بنك التنمية الإفريقي (2024) أن الاستثمار الأجنبي المباشر في المعادن الإفريقية الحيوية قد يتضاعف ثلاث مرات بحلول عام 2035، ليصل إلى أكثر من 25 مليار دولار، شريطة وجود استقرار تنظيمي وحكامة لقطاع التعدين.
إلى جانب الصادرات، يمكن لقطاع الأراضي النادرة أن يلعب دورا حاسما في الانتقال الطاقي في إفريقيا. فالتطبيقات المحلية في مجالات الطاقة المتجددة، والتنقل الكهربائي، والإلكترونيات، تمهد الطريق لتصنيع أكثر اندماجا.
وكما لخص مسؤول كبير في وزارة الموارد المعدنية في جنوب إفريقيا، «يجب ألا تقتصر فائدة الأراضي النادرة على خدمة الانتقالات الطاقية في الشمال فحسب، بل يجب أن تصبح محركا لانتقالنا الصناعي».








