ولهذا، كانت الخيمة هي الملاذ الوحيد والمسكن الملائم للرُحّل، حيث يرون فيها منزلا متنقلا، تثبت أركانه في الأرض كل ما كان المكان ملائما لذلك.
كما لم تكن الخيمة وحدة للاستقرار المادي فحسب، وإنما تجسد إطارا قويا للعلاقات الاجتماعية والعائلية، حتى أصبح في يومنا هذا يُقال فلان (تْخَيّم) أو فلانة (تْخَيْمت) أي تزوج أو تزوجت، وهذا ما يعكس قيمة الخيمة في المنظور الحساني
وإذا ما أردنا الحديث عن الخيمة وطريقة خياطتها وصناعتها، فمن الواجب احترام الشروط والبعد الثقافي، لأن مراحلها عديدة، بعضها يحتاج جهدا، ولهذا يكون الرجل مسؤول عنها بدنيا، فما تبقى للمرأة مراحل أخرى لا تحتاج لمجهود عضلي.
فبعد جز الأغنام من طرف الرجال، تُباشِر المرأة بعد ذلك عملية «التشعشيع»، ويتم خلالها ضرب الشعر أو «لوبر» بعصا رقيقة يطلق عليها اسم «لمطارك»، والهدف من ذلك هو إزالة كل الشوائب والعوالق، من غبار وغيره، حتى تصبح المادة الخام نظيفة وجاهزة لعملية » «اتغرشيل»، والتي تهدف إلى فك عُقَد الشعر أو «لوبر» وعزل كل شعرة أو «وبرة» على حد، وهي تشبه عملية مشط الرأس عند الإنسان، وتتم هذه العملية بواسطة آلة تسمى «أغرشال»، لها أسنان من الحديد كأسنان المشط، وتتكون من طرفين يتحركان في اتجاهين مختلفين، بينهما كمية غير كبيرة من الشعر أو «لوبر».
وبعد ذلك، تستدعي صاحبة الخيمة كل نسوة «لفريك» (أي الحي) لمساعدتها في عملية «لغزيل»، وهو عمل جماعي يسمى «التويزة» كذلك، وتتلخص في تجميع وفتل الشعيرات الصغيرة لتصبح خيطا رقيقا بواسطة آلة تقليدية أخرى تسمى «المغزل»، وهو عصا ملساء رقيقة لا يتعدى طولها ذراعا، تُحرّك بشكل دائري بواسطة اليد اليمنى، وبذلك يجتمع حولها الخيط المفتول واليد اليسرى تساعدها هي الأخرى على الربط بين الشعيرات المتفرقة بطرف الخيط المفتول، وتستمر هذه العملية لتتشكل «كبة» من الخيط الرقيق حول «المغزل».
وعند انتهاء هذه العملية، تتجمع عند صاحبة الخيمة كمية من «الكبب» (جمع كبة) من الخيط الرقيق، لتأتي بعد ذلك عملية جديدة تسمى «لبريم»، وتتلخص في جمع كبتين من الخيط الرقيق، لتصبح كبة واحدة ذات خيط أقوى من السابق الرقيق، وتتم هذه العملية بواسطة «المبرم»، وهو عبارة عن عصا رقيقة كـ«المغزل» مثبت على رأسها طرف من عظم دائري الشكل وفوقه طرف من حديد معقوف كرأس الصنارة ويعقد على هذا الأخير طرف خيط «الكبة» المكونة من خيطين رقيقين، ومن ثم يتم تحيرك «المبرم »بشكل دائري حتى يتم فتل الخيطين الرقيقين ليصبحا خيطا قويا «مبروما» بشكل سليم ويتم لفه في شكل «كبة» متقنة «اللف».
ومباشرة بعد ذلك، تأتي عملية «لمحيط»، ويتم خلالها تثبيت وتدوير و«لف» الخيط «المبروم» بينهما، مع وضع عصا في الوسط، ومن ثم يتم إحضار حوض من الماء وتنزع جهتا «الخيط الممحوط» وتبلل بالماء جهة بجهة، ويعاد من جديد إلى الأوتاد، وبعد ذلك تبدأ عملية «محط» جديدة من خلال إدارة العصا قصد تمتين الخيط «الممحوط».
وتأتي بعد ذلك عملية التحضير لصنع «لفليج»، وهو عبارة عن جزء من الخيمة، مستطيل الشكل على طول الخيمة، ويتم تحضيره من خلال نسج الخيوط بشكل متقن، وهي عملية معقدة للغاية وتتطلب مجهودا كبيرا ولا بد لصاحبة الخيمة من استدعاء جاراتها من أجل مساعدتها في عملية «التسدية»، والتي يتم خلالها تثبيت أربعة أوتاد في رؤوس المستطيل الأربعة، التي هي مساحة «لفليج»، وغالبا ما يفوق عرض هذا الأخير ذراعين وطوله 14 ذراعا، وبعد ذلك وضع عصوان وراء الأوتاد و«لف» الخيط حولهما.
وبعد هذه عملية « التسدية»، تأخذ صاحبة الخيمة عصا «تلف» عليها خيطا «مفتولا»، وتسمى العملية «الميشع»، وتستعمل «الصوصية»، وهي أداة مصنوعة من الخشب على شكل قطعة رقيقة، وهي إحدى الأدوات التقليدية الصحراوية و«المدرة»، وهي أداة رأسها على شكل صنارة ولها قبضة خشبية، وهذه الأدوات الثلاثة تستعمل في نسج «لفليج».
وتتوالى بعد ذلك عمليات إعداد «الفلجة» بالطريقة نفسها، ويتراوح عددها بين سبعة وتسعة، ومن ثم إعداد «المطنبتين»، وهما «فليجين» أقل عرضا من بقية «الفلجة» ويوضعان في «الحواشي».
مرحبا بكم في فضاء التعليق
نريد مساحة للنقاش والتبادل والحوار. من أجل تحسين جودة التبادلات بموجب مقالاتنا، بالإضافة إلى تجربة مساهمتك، ندعوك لمراجعة قواعد الاستخدام الخاصة بنا.
اقرأ ميثاقنا