أشرف الحساني يكتب: وداعا نعيمة سميح.. فنانة في حجم الجُرح

في 08/03/2025 على الساعة 23:00

مقال رأييُخيّل إليّ أحياناً أنّ اللحظات الجميلة التي نعيشها في فسحة وجودنا سرعان ما تنتهي، إنّها لحظات مدهشة، لكنها مؤلمة وتظلّ دائماً هاربة ومنفلتة منا، كأنّ قدرها متمثّل في العبور وكامنٌ في الزوال إلى مواجع النسيان.

خبر رحيل المطرية نعيمة سميح في هذا الصباح يبدو قاسياً، كأنّ الفنانة ارتأت أن تودعنا في يوم العالمي للمرأة الذي يصادف 8 مارس، رحيل محزن لا يليق بسيدة طالما صنعت مجد الأغنية المغربية وأصالتها. كل ذلك في وقتٍ، لم تكُن فيه لا السوشل ميديا ولا مؤسسات إنتاج باتت تتناسل اليوم بكثرة وتلهث وراء الربح المادي أكثر من تفكيرها في تقديم منتوج غنائي يليق بالمغاربة وثقافتهم وتنشئتهم وذوقهم في الفن والجمال.

تُعد سميح قطباً من أقطاب الأغنية العربية وعموداً من الأعمدة التي يُشيّد عليها كلّ فنّ جميل وأصيل. تاريخياً، تعتبر صاحبة « ياك آ جرحي » من الوجوه الغنائية التي حققت للأغنية المغربية بصمتها الخاصّة وبلاغتها الجماليّة منذ سنوات السبعينيات، فهي مجدّدة لهذا اللون الغنائي الذي أخذ معها ومع العديد من الأسماء الغنائية أمثال سميرة سعيد وعزيزة جلال، أنْ ينزاح قليلاً من التأثير المشرقي الذي كان مُسيطراً على الطرب الغنائي. لم يكُن سهلاً على جيل نعيمة سميح التنصّل من هذا الإرث الذي بدا منذ نهاية ستينيات القرن الـ 20 وكأنّه موضة فنّية بالنسبة للعديد من الفنانين المغاربة الذين تحولوا إلى ما يُشبه « علامة تجارية » للأغنية المصرية. بل إنّ هذا التأثير ما يزال إلى حدود اليوم، بارزاَ في تضاريس المشهد الغنائي المغربي الجديد لأسباب في معظمها ترتبط بمفاهيم التجارة والربح والخسارة.

لقد نجحت نعيمة سميح أنْ تُبلور من خلال عددٍ من أغانيها صورة المغنية الحداثية التي تُفكّر قبل أنْ تغنّي، إذْ سعت منذ أغانيها الأولى أنْ تُعيد بناء مركزية فنية لأغنية مغربية خالصة مُنفلتة من قبضة التدوير المصري أو النموذج المُستلب من الثقافة الغربية. فإذا حاولنا إعادة الاستماع إلى أغانيها، سنجد أنّ هناك نفحة تجديدية، لا يمكن العثور عليها من خلال الصوت، وإنّما عبر الأسلوب الموسيقي الذي يدمج أساليب موسيقية عصرية مع كلمات مغربية نابعة من التربة المغربية وأصالتها.

حين تُغنّي نعيمة سميح يُخيّل إليّ أنّها تقبض على مفهوم الزمن وتعمل على إعادة تفتيته وتفكيكه إلى مشاعر وصور دائما ما تجد موطنها الحقيقي في ذاتية القلوب الجميلة. إنّ الراحلة سعت عبر مسارها الغنائي أنْ ترسم صورة مدهشة للأغنية المغربية والمستوى الجمالي الذي يُمكن أنْ يبلغه الفنّ في بلدنا، بعيداً عن المستنقعات الفنية التي تحيط بتجاربنا وأغانيها.

تنتمي صاحبة « جاري يا جاري » إلى جيل ثقافي آمن بقدرة الفنّ على تحقيق كلّ ما هو جميل في الإنسان. إنّ جيل السبعينيات الذي تنتمي إليه نعيمة سميح، استطاع ترك بصمة فنية نادرة يصعب العثور على مثيلتها اليوم. إذْ رغم ما طبع هذا الجيل من تداخل بين السياسي والثقافي والفني والإيديولوجي، ظلّت نعيمة سميح تقع في مرحلة « الما بين » أيْ أنّها لم تجعل من أغانيها أداة سياسية، لكنّها راهنت في خطابها الجمالي على الفنّ المُلتزم الذي يكشف المعدن الحقيقي للذات البشرية وتحوّلاتها داخل المجتمع.

نجحت أغاني نعيمة سميح أنْ تترك ميسماً جمالياً مغايراً داخل بناء الأغنية المغربية، إذ يصعب نسيان « بحّة » نعيمة سميح وصورتها الرقيقة بقفطان مغربي مزركش وأصيل وجسدها النحيف وهي تقف شامخة فوق خشبات المسارح العربية الكبيرة لتُطّل علينا ببسمة تعلو وجهها من داحل الشاشة الصغيرة ونحن صغار « نتسمّر » أمام التلفاز للتلذذ بصوتها ونحن نحلم تحت سماء المحبة.

في اللحظة التي كانت تغنّي فيها نعيمة سميح، تبدو خشبات المسارب وكأنها ملاعب كرة قدم. إذْ لا يُصدّق المرء مدى تطلّع الجمهور إلى الاستماع إلى أغانيها التي تفيض بقيم الحب والسعادة والسلام. فقد آمن الجمهور المغربي أنْ صوت نعيمة سميح ينقل الأغنية المغربية إلى مصاف التجارب الغنائية الخالدة التي يصعب إعادة تحقيق ما وصلته من الناحية الجماليّة، لذلك ظلّ حضورها ساطعاً وكبيراً تُظلل بجسدها النحيف مسار الأغنية المغربية وتحوّلاتها داخل بيئة ثقافية، كانت تعيش نوعاً من التأرجح، بين هذا النمط الفني التقليدي الحالم بـ « العصرنة » الموسيقيّة وبين نماذج فنية وأشكال تعبيرية تستمدّ ملامحها من التربة الغربية. على هذا الأساس، نجحت سميح أنْ تحمي بصوتها الأغنية المغربية من الاستلاب الذي قد يُصيبها جرّاء التمادي في التجريب الموسيقي ويُحوّل هذا النموذج من الأغنية الكلاسيكية إلى محض خرافة وهباء.

وداعاً نعيمة سميح، لقد ضاعفت يُتم الأغنية المغربية برحيلك في هذا الصباح البارد والموجع على القلب والذاكرة.. سأتذكّرك دائماً مع قهوة الصباح.

تحرير من طرف أشرف الحساني
في 08/03/2025 على الساعة 23:00

مرحبا بكم في فضاء التعليق

نريد مساحة للنقاش والتبادل والحوار. من أجل تحسين جودة التبادلات بموجب مقالاتنا، بالإضافة إلى تجربة مساهمتك، ندعوك لمراجعة قواعد الاستخدام الخاصة بنا.

اقرأ ميثاقنا

تعليقاتكم

0/800