وككل سنة، يحرص سكان مدينة الداخلة على قضاء ليالي رمضان وفق ما تقتضيه العادات والتقاليد الحسانية. فمن سهرات المديح النبوي في أجواء عائلية، إلى سهرات مباريات لعبة «السيگ» الشهيرة، تحرص العائلات بالمدينة على خلق أجواء عائلية يطبعها الدفء والانسجام والتعايش.
وتعد لعبة «السيگ» من أعرق الألعاب الصحراوية، إذ يمارسها الصحراويون منذ القدم، ولا تزال تحتفظ بمكانتها المفضلة إلى اليوم، خاصة في ليالي رمضان التي تشهد تزاور العائلات.
ويبقى الشاي الصحراوي سيد المناسبات في الأقاليم الجنوبية، إذ لا تخلو المنازل في ليالي رمضان من جلسات الشاي التي تحافظ على هذا الموروث الثقافي، وتقوي أواصر التآلف والمودة بين العائلات، وتعزز روح التكافل والتضامن الاجتماعي.
ولا تكتمل ليالي رمضان بالداخلة دون حضور الشعر الحساني، الذي يعد أحد أبرز ملامح الثقافة الصحراوية الأصيلة. فأبناء الصحراء عرفوا منذ القدم بولعهم بالشعر والأدب، وبقدرتهم الفائقة على الارتجال والتعبير عن مشاعرهم وقضايا مجتمعهم في أبيات شعرية نابضة بالحكمة والجمال.
وفي المجالس العائلية وسهرات السمر الرمضانية، يتبادل الحضور إنشاد القصائد الحسانية التي تتغنى بالقيم النبيلة، من كرم وشهامة ووفاء، كما تستحضر أمجاد الصحراء المغربية وتاريخها العريق. ويجد الكبار والصغار في هذه اللحظات فرصة لتوارث هذا الإرث الأدبي الذي ظل لقرون وسيلة للتعبير والتواصل وحفظ الذاكرة الجماعية.
ويؤكد هذا الحضور القوي للشعر والأدب في الحياة اليومية لأهل الصحراء مدى عمق ارتباطهم بالثقافة والمعرفة، حيث ظل المجلس الصحراوي فضاءً لتداول الكلمة الراقية وتناقل الحكم والأمثال، في مشهد يعكس غنى الموروث الثقافي الحساني وتشبث الساكنة به جيلا بعد جيل.
وتبقى هذه المظاهر الثقافية والاجتماعية جزءً من هوية الصحراء المغربية، حيث تمتزج روحانية رمضان بأصالة العادات والتقاليد، لتصنع ليالي مميزة عنوانها التآلف والدفء الإنساني واعتزاز أهل الجنوب المغربي بتراثهم العريق.




