انتزعت الجزائر بطاقة العبور في اللحظات الأخيرة من الشوط الإضافي الثاني يوم الثلاثاء بالرباط، بفضل لمسة رائعة من عادل بولبينة في الدقيقة 119. وكان من المفترض أن يحتفى بهذا النجاح كتحرر رياضي، وهو ما حدث بالفعل، لكنه ترك خلفه مرارة عميقة جراء سلوكات غير منضبطة واستفزازات مجانية.
على مستوى اللعب، عانى «محاربو الصحراء» وتملكتهم الشكوك قبل أن يضربوا في وقت لم يكن يتوقعه أحد. إنها سيناريوهات كرة القدم القاسية، حيث تسقط أمة بينما تحتفل أخرى. غادر منتخب الكونغو الديمقراطية البطولة برأس مرفوعة، وفي مثل هذه اللحظات العاطفية الفارقة، تقاس عظمة الفاعلين على أرض الملعب أو تتضح حدودهم.
AFP
الحركة الزائدة في مواجهة «لومومبا»
لم تأت اللقطة الأكثر إثارة للجدل من فوق العشب، بل من المدرجات. فقد توجه محمد عمورة، مهاجم فولفسبورغ الألماني، نحو «ميشيل كوكا مبولادينغا» الشهير بلقب «لومومبا»، المشجع الكونغولي الذي انتشرت صوره بشكل واسع بسبب وقفته الثابتة كتحية حية لباتريس لومومبا، بطل استقلال الكونغو. كان «لومومبا» يجسد رمزا منذ بداية البطولة بوقفته الشامخة ونظرته نحو السماء.
لكن عمورة اختار تقليده بسخرية قبل أن يرمي نفسه على الأرض. وفي المدرجات، تلقى المشجع الكونغولي، الذي كان يذرف الدموع بسبب الإقصاء، طعنة مزدوجة: الهزيمة والإهانة. هذا المشهد الذي تم تصويره وتداوله، آلم الكثيرين خارج حدود الملعب، لأنه تجاوز حدود المداعبة الرياضية بين اللاعبين ليصبح قلة احترام تجاه شخصية شعبية ومسالمة.
وفي مشهد آخر، وجه بغداد بونجاح، مهاجم نادي الشمال القطري، عبارات نابية ومهينة للجمهور، فسرها الكثيرون على أنها تستهدف المغرب ومنتخبه الوطني. وثقت الكاميرات كل شيء، وكرة القدم لا تنسى.
في بطولة تقام بالمغرب، وفي ملاعب شهدت حفاوة استقبال منقطعة النظير للوفود والجماهير الجزائرية، رنت هذه الكلمات كخيانة للروح الرياضية. خاصة وأن مغاربة كثر لم يترددوا في دعم «الخضر» طوال المسابقة تحت شعار «خاوة خاوة».
«أعطوه الموز.. المغربي حيوان»
أمام هذه الانزلاقات المتكررة، يستحضر المرء أحداثا قريبة طبعت الذاكرة الرياضية الإفريقية. فمن ينسى افتتاح «شان 2022» بالجزائر، حين رددت الجماهير في ملعب نيلسون مانديلا هتافات مشينة: «أعطوه الموز.. المغربي حيوان»، وذلك أمام أنظار مسؤولي كرة القدم العالمية، في وقت تضع فيه الهيئات الدولية محاربة العنصرية كأولوية قصوى.
وعلى عكس هذا التوجه، دافع المغرب دوما عن خطاب الأخوة الإفريقية المبني على الاحترام والتضامن. أما في الجزائر، فقد جرى استغلال «الشان» سياسيا وتحويله إلى منصة لتصريف الأحقاد، في نهج أصبح مألوفا حيث يتم تحريف الرياضة عن رسالتها لخدمة خطاب الكراهية والتبخيس الممنهج تجاه المغرب.
ومنذ انطلاق «كان 2025»، أجمع الكل على نجاح التنظيم المغربي، من احترافية وبنية تحتية ولوجستيك وحسن استقبال. ولم يخطئ المشجعون الجزائريون في تقييمهم، حيث نقلت منصات التواصل الاجتماعي شهاداتهم التي تشيد بحرارة الاستقبال وعصرنة الملاعب وسهولة التنقل.
هذا الواقع يتناقض تماما مع الخطاب الذي تتبناه الصحافة الجزائرية، التي سعت منذ البداية لتبخيس النسخة المغربية ومحاولة تقليل شأن نجاحاتها، وغالبا دون ذكر اسم البلد المضيف صراحة.
بين الخطاب الإعلامي البعيد والواقع المعاش في عين المكان، لم تكن الفجوة يوما بهذا الوضوح. إن نسخة المغرب 2025 تفرض نفسها كنجاح باهر يصعب حتى على الخصوم إنكاره.
في الختام، كان من الممكن أن يظل تأهل ربع النهائي مجرد واقعة رياضية، لكنه سيبقى مؤشرا على سلوكات تثير التساؤل، واستفزازات تلوث الفوز. الاحتفال حق، لكن الاستفزاز والإهانة والتحقير لم تكن يوما من قيم الرياضة. في تلك الليلة بالرباط، تأهلت الجزائر، لكن كرة القدم تستحق ما هو أفضل.
















