خلال فصل الشتاء الذي تهوي فيه درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، يصارع أناس الحياة والطقس في الدروب الباردة للعاصمة المتروبولية. لكل حكايته ومأساته التي آلت به إلى جنبات الشوارع ليفترش ويلتحف أوراق « الكارتون » هربا من شتاء قاس وبرد لا يرحم.
زوجان شابان تحت رحمة الشارع
في أحد أزقة وسط مدينة الدار البيضاء، توقفت سيارة الإسعاف الاجتماعي المتنقل للحديث مع شابة وشابة اتضحى بعدها أنهما زوجين. شيماء ذات 18 ربيعا وأحمد انتبهت لهما عناصر المساعدة الاجتماعية وهما يجلسان على الرصيف البارد رفقة رضيعهما. الأب الشاب يشتغل كمياوم لكنه فقد عمله خلال هذا الموسم ليجد نفسه وزوجته خارج الغرفة التي كانا يكتريانها بالمدينة القديمة. بملامحهما البريئة الشابة، يتلعثم الزوجين في الكلام أمام أسئلة عناصر المساعدة الاجتماعية. يقول أحمد: « فحياة الشارع تجعلك منكسرا مشتت الأفكار لم يجد أحمد وشيماء مكان يأويهما غير الشارع ». تمسك الأم الشابة بعربة الأطفال التي تأوي رضيعها. جوانب العربة تحولت لدلاب خاص بالأسرة تحمل قطعة كرتون ووسادة، وبطانية مهترئة. تقول شيماء: « عندما ينال منا التعب نفترش الكرتون فأي زقاق وننام ». بملامح ما زالت تحمل شيئا من براءة العمر، وعيون أنهكهما السهر والقلق، تنظر شيماء إلى السماء وتتنهد قائلة: « حياة الشارع محنة لا أتمناها لأي أحد. فقسوة الليل ووحشة الأزقة الباردة تترك أثرا وجروحا لا يمحوها النسيان ».
غدر الزمن
في أحد أزقة « البرانس » الشهير بوسط العاصمة الاقتصادية، يستلقي عبد الإله رجل في عقده الثلاثين على قطعة إسفنج رمادية. قسامات وجهه وملابسه الرثة تقول إن الرجل يعيش حياة الشارع منذ فترة طويلة. توقفت قربه سيارة تابعة لمصلحة المساعدة الاجتماعية، ونزل منها مساعد اجتماعي بابتسامة هادئة يتفقد أحوال الرجل في هذه الأجواء الباردة.
يسأل المساعد الاجتماعي كيف انتهى بعبد الإله مرميا في الشارع. وراء مأساة الرجل قصة حزينة فعبد الإله عاش اليتم منذ الصغر لينتهي به المطاف في إحدى الخيريات والتي غادرها عند بلوغه سن 21. لينتقل بعدها إلى بيت جده من الأم. غير أن وفاته ستقلب حياته رأسا على عقب ايجد نفسه في الشارع.
تمر السيارات مسرعة، ويعبر الناس على عجل، بينما يظل الرجل ثابتا في مكانه، كأنه شفاف وخارج إيقاع المدينة التي لا تتوقف. يراقبه المارة بعينين تختلط فيهما الحسرة والتعاطف. يطلب المساعدون الاجتماعيون من عبد الإله مرافقتهم إلى مركز للرعاية للاستحمام والحصول على ملابس جديدة ووجبة ساخنة، مقترحين عليه البقاء في المركز الذي يوفر المبيت المؤقت للأشخاص الذين لا يتوفرون على مأوى.
مجهودات متواصلة
تواصل فرق المساعدة الاجتماعية المتنقلة التابعة للتعاون الوطني، بتنسيق مع السلطات المحلية وجمعيات المجتمع المدني بالدار البيضاء مجهوداتها في إطار حملة « دفء الشتاء » التي تهدف إلى إيواء الأشخاص في وضعية الشارع وحمايتهم من موجة البرد القارس.
وقال فالق الواصي، المدير الجهوي للتعاون الوطني بجهة الدار البيضاء-سطات، إن هذه الحملة التي انطلقت منذ نونبر الماضي، تهدف إلى تقديم الدعم والإيواء والمواكبة للأشخاص بدون مأوى، مضيفا أن الحملة تجندت لها فرق متكاملة تحت إشراف السلطات الولائية والإقليمية بجميع عمالات وأقاليم الجهة، مؤكدا أن مؤسسة التعاون الوطني وضعت رهن إشارة هذه الحملة إمكانيات بشرية ولوجستية مهمة لضمان تنزيل هذه الحملة في أحسن الظروف.
وتجوب فرق الإسعاف المتنقل شوارع الدار البيضاء لرصد الأشخاص بدون مأوى لتقديم الدعم لهما ونقلهم إلى مراكز الإيواء التي توفرها مؤسسة التعاون الوطني والتي تمكنهم من الإيواء المؤقت أو الدائم، والوساطة الأسرية، إلى جانب توفير التغذية والمرافقة الطبية.




