عاش سكان «حاضرة اللوكوس» وضعا استثنائيا بعدما ارتفع منسوب وادي اللوكوس إلى مستويات مهولة، تزامنا مع بلوغ سد وادي المخازن طاقته الاستيعابية القصوى. هذا الوضع اضطر السلطات المحلية إلى اتخاذ قرار إخلاء آلاف الأسر حماية للأرواح، لتتحول المدينة في ظرف ثلاثة أيام إلى منطقة شبه خالية، غابت فيها الحركة التجارية وخيم فيها الصمت على أحياء كانت تنبض بالحياة.
وفي وقت كانت فيه وحدات الوقاية المدنية والقوات المسلحة الملكية تسابق الزمن لتأمين الممتلكات وإجلاء العالقين، انطلقت في المقابل موجة عفوية من التضامن الشعبي، تجاوزت حدود المدينة لتشمل مختلف ربوع المملكة.
مبادرات فردية بروح وطنية
تعددت صور الدعم لتشمل فنانين وفاعلين جمعويين ومقاولين ومواطنين عاديين. فقد أعلنت الكوميدية هناء المريني عن تكفلها التام بعائلتين من المتضررين واستضافتهما بمدينة طنجة، مؤكدة التزامها بتوفير السكن لهما طيلة فترة الأزمة.

ومن إقليم ميدلت، وتحديدا من منطقة تيقاجيوين، جسد الفاعل الجمعوي مصطفى العلاوي مفهوم «تمغربيت» في أبهى صوره، حيث أعلن استعداده لاستضافة ما بين 20 و30 شخصا في منزله الخاص، مع التكفل بكافة نفقات النقل والأكل والإيواء إلى غاية انفراج هاته الأزمة.
وأرفق رقم هاتفه في نداء وجهه عبر حسابه على منصة فيسبوك لنشر مبادرته حتى تصل إلى من هم في أمس الحاجة إليها، مؤكدا أن إطلاقه لهذه المبادرة كان مجرد استجابة لنداءات التضامن الوطني وتعليمات تقديم الدعم للمواطنين المتضررين.
وأوضح علاوي، الفاعل الجمعوي المعروف بمنطقة تيقاجيوين بإقليم ميدلت، في تصريح لـLe360 أن مبادرته لقيت استحسانا من طرف سكان القرية الذين عبروا بدورهم عن استعدادهم لاستضافة المزيد من الأسر المتضررة من الفيضانات بكافة مناطق المغرب.
هبة المقاولين والعمل الميداني
لم يقتصر التضامن على المبادرات الفردية المحدودة، بل امتد ليشمل مساهمات كبرى؛ حيث وضع مقاول من مدينة مرتيل أزيد من 100 شقة مجهزة رهن إشارة الساكنة المتضررة، في خطوة وصفت بأنها من أكبر المبادرات الخاصة منذ انطلاق الأزمة.

ميدانيا، برز اسم مصطفى بن حمدان، رئيس تعاونية أرباب الشاحنات لنقل الرمال ومواد البناء بإقليم العرائش، الذي سخر أسطول التعاونية من آليات وشاحنات للمساهمة في عمليات الإنقاذ ونقل المواطنين من المناطق التي غمرتها السيول، خاصة في المسالك الطرقية التي استعصى عبورها على السيارات العادية.
كما تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي إعلانات لمواطنين آخرين عرضوا توفير عشرات الشقق مجانا لإيواء المتضررين، بالإضافة إلى مبادرات لتأمين النقل المجاني من تطوان إلى مرتيل، من أجل تسهيل انتقال الأسر التي اضطرت إلى مغادرة منازلها بشكل استعجالي.
قيم راسخة وتكافل شامل
لم تتوقف جهود المتطوعين عند إيواء البشر، بل شملت إطلاق حملات لإطعام الحيوانات الأليفة التي تركها أصحابها خلفهم اضطرارا، ونقل بعضها إلى مدن مجاورة لتلقي الرعاية.
وأعادت هذه المبادرات إلى الواجهة قيم التكافل والتضامن التي طالما ميزت المجتمع المغربي في أوقات الشدة، حيث لم تقتصر المساعدة على الإيواء فقط، بل شملت أيضا توفير الوجبات الغذائية، الملابس، وحتى العناية بالحيوانات الأليفة التي تركها أصحابها خلفهم اضطرارا، في ظل تنظيم حملات تطوعية لإطعامها ونقل بعضها إلى مدن مجاورة.

