تاريخياً، يصعب تحديد المرحلة التاريخية التي ظهرت فيها «الخطّارات» ورغم وجود معلومات تفيد أنها تعود إلى العهد المرابطي، إلاّ أنّ عدم وجود وثائق مادية تجعل عملية التأريخ لهذه الأنظمة المائية يبقى صعباً وغير دقيق لعدم وجود معطيات تاريخية دقيقة. لكنْ بغضّ النّظر عن الإطار التاريخي الذي ظهرت فيه «الخطّارات» فقد شكّلت أحد أبرز الاختراعات في تاريخ المغرب، خاصّة وأنّ اختراعها من لدن بعض الفلاحين المغاربة لعب دوراً كبيراً في تدبير سياسة الماء في تاريخ المغرب، سيما داخل بلدٍ يحتلّ فيه النشاط الفلاحي مكانة مركزيّة وساهمت فيه بشكل قويّ في تنمية الاقتصاد المحلي داخل عدد من القرى خلال العصر الوسيط.

وتعد الخطارات بمثابة قنوات مائية اخترعها الفلاحون القدامى وفق أشكال هندسية أرضية مختلفة تحرص على جمع المياه ومحاولة تدبير بشكل وظيفي وحسّاس للوصول إلى الأراضي والفدادين والمروج. ونظراً لجودة هذه التقنية ونجاعتها في تاريخها المغرب، اعتبرها العديد من الباحثين في مجال الجغرافيا الطبيعية أنها أحد أهم الاختراعات الإيكولوجية قوّة وتأثيراً في تاريخ النشاط الفلاحي بالمغرب، سيما في وقتٍ تظهر فيه تقنيات حديثة لن بدون أيّ أثر يُذكر أحيانا.

حرصت هذه القنوات الباطنية على توجيه الفلاحين ومدّهم بأفكار حول الطريقة التي بها يمكن تجاوز الإجهاد المائي الذي عانى منه المغاربة خلال قرون مضت، وبعدما تمّ اكتشاف «الخطارات» التي انتقلت لاحقاً إلى العديد من المدن العربية، كما تكشف بعض الأبحاث الأركيولوجية، أصبح الفلاح المغربي له من الوعي ما يجعل نشاطه الفلاحي يحقق نتائج متقدّمة في فترات غياب الأمطار. خاصة وأنّ بعض المراحل التاريخية القاهرة كانت تفرض على الفلاح عدم بيع محصوله الزراعي الضئيل بسبب قلّته وشحّ الأراضي من الماء، بما جعله ينتهج أسلوب الزراعة المعيشية التي تغطّي حاجياته اليوميّة بكل ما كان يطبعها من شح وشظف على مستوى العيش.

وتظهر بعض الأبحادث التاريخيّة أنّ اكتشاف «الخطّارات« ساهم إلى حد كبير في رفع منسوب الوعي لدى المغاربة القدامى حول التدبير المائي وقدرة هذه التقنية في الإستفادة من المياه الجوفية وإعادة توظيفها بطريقة عقلانية تنعكس إيجاباً على المحاصيل الزراعية دون الوقوع في فرط الاستخدام المائي غير المعقلن.
يتراوح طول الخطارات بين 2 و10 كلم وذلك حسب المناطف الفلاحية وحجم الفرشات المائية وتكون أحياناً مفتوحة على العيون والأنهار والوديان من أجل الاستفادة من هذه المجاري المائية وإعادة توزيعها بطريقة تخدم الأراضي الفلاحية.

حرصت وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات خلال سنة 2023 عن إعادة تهيئة أكثر من 100 كلم من الخطارات التي تشكّل تراثاً فلاحياً لا ينضب، من أجل الاعتماد على نظامها التقليدي لتجاوز محنة الجفاف والإجهاد المائي الذي أصاب المغرب خلال 6 سنوات متتالية، كا انعكس ذلك سلباً على العديد من الأراضي الفلاحية، بعدما أثر ذلك حتى العديد من الفلاحين الذين غيّروا أنشطتهم الفلاحية صوب العمل في التجارة.
واستطاع الخطارات في تاريخ المغرب على المساهم في بناء نظام اجتماعي بالعديد من المناطق الصحراوية، وعياً من الجماعات التي استقرّت في هذه المناطق بقيمة الخطارات والدور الذي تلعبه في تأطير الجماعات البشرية واستدراجها إلى الاستقرار في جوار الخطارات، بحكم ما توفّره لها من ملاذ مائي فريد، يجعل اللاح لا يبذل مجهوداً مضاعفاً في عملية البحث عن الماء الذي طالما شكّل في تاريخ المغرب النواة الحقيقية لتأسيس الدول والحضارات في نظر ابن خلدون إلى جانب عناصر أخرى داخل ما يسمّى بـ «المدينة الإسلامية».
ويبلغ عدد الخطارات الموجودة بالمغرب حوالي 600 خطارة تمتد على كيلومترات وتقدم بنظاها المائي البسيط فلسفة عميقة لترشيد السياسة المائية والحفاظ عليها بطريقة يجعل المياه تتدفق صوب الواحات وفضاءات اجتماعية أخرى خلال فترات متقدّمة امتدّت حتى بعد حصول المغرب على استقلاله عام 1956.



