اليوم، وبعد سنوات من العطش، سجل سد المسيرة تحسنا ملحوظا مسجلا نسبة ملء تجاوزت 33 في المائة، وهي نسبة لم يسجلها منذ شهر يونيو 2017، فهل تعود العاصمة الاقتصادية للاعتماد عليه كما في السابق، أم أن خريطة التزويد تغيرت بشكل نهائي؟
قبل سنة 2022، كان تزويد الدار البيضاء الكبرى بما يشمل مديونة، المحمدية، النواصر وبوسكورة يعتمد بشكل شبه متوازن على مصدرين رئيسيين، وفق ما أكده عمر شفقي، مدير وكالة الحوض المائي لأبي رقراق والشاوية. حوالي 50% من حاجياته تأتي من حوض أم الربيع عبر سد المسيرة الذي يصب في سد الدورات، بينما يتم توفير النصف الآخر من سد سيدي محمد بن عبد الله.
غير أن سنوات الجفاف المتتالية قلبت هذا التوازن رأسا على عقب، فقد عرف سد المسيرة تراجعا حادا في مخزونه نتيجة الضغط الكبير عليه، باعتباره يزود ليس فقط الدار البيضاء، بل مجموعة من المدن والمراكز الكبرى كآسفي والجديدة. هذا الوضع دفع السلطات إلى اتخاذ قرار استراتيجي يقضي بتحويل الاعتماد الرئيسي للدار البيضاء نحو سد سيدي محمد بن عبد الله لتخفيف الضغط على المسيرة.
ولم يكن التدخل على مستوى الموارد المائية فقط، بل شمل أيضا البنية التحتية داخل المدينة، يؤكد المتحدث: «الدار البيضاء كانت كانت مقسمة تقنيا إلى شطرين: شمالي وجنوبي، حيث كانت المناطق الجنوبية تعتمد سابقا على سد المسيرة والشمالية على سد سيدي محمد بن عبد الله ولمواجهة الإجهاد المائي تم ربط الجهتين عبر مشروع كبير للتمكن من إيصال الماء الشروب للجهة الجنوبية، بصبيب عال يلبي كافة الاحتياجات».
وفي هذا السياق، أكد شفقي، أن هذا التحول لم يكن ممكنا لولا إنجاز مشروع الربط المائي (الطريق السيار للماء) بين حوضي سبو وأبي رقراق، والذي بدأ العمل به في 28 غشت 2023.
هذا المشروع، الذي يتيح تحويل صبيب يصل إلى 15 متر مكعب في الثانية، مكن من إنقاذ سد سيدي محمد بن عبد الله من الجفاف، الذي أصبح المصدر شبه الوحيد لتزويد الشريط الساحلي الممتد من سلا إلى الدار البيضاء، وصولا للنواصر بالماء الشروب، وهي منطقة يقطنها أكثر من 10 ملايين نسمة.
يقول شفقي: «هذا المشروع جاء في الوقت المناسب فسد سيدي محمد بن عبد الله يزود أصلا الرباط، سلا، وجزءا من الصخيرات، تمارة، بوزنيقة، وبن سليمان.. وهذا مجال واسع، وتوقعاتنا كانت تشير إلى أنه لولا هذا المشروع (تحويل المياه من سبو)، لكان السد قد جف تماما من المياه في دجنبر الماضي».
وحسب المتحدث، فقد انتقلت نسبة الاعتماد على سد سيدي محمد بن عبد الله من 50% إلى أكثر من 90% حاليا.
ويتراوح استهلاك الدار البيضاء الكبرى بين 200 و220 مليون متر مكعب سنويا، بينما بلغ حجم المياه المسحوبة من سد سيدي محمد بن عبد الله سنة 2024 حوالي 355 مليون متر مكعب لتغطية كامل الشريط الساحلي، مقارنة بـ270 إلى 280 مليون متر مكعب في السنة التي سبقتها، وذلك لتعويض توقف إمدادات سد المسيرة.
وحسب المسؤول هذا التحول لم يخدم الدار البيضاء فقط، بل ساهم أيضا في تخفيف الضغط على سد «الدورات» (الذي يمده سد المسيرة) ما أتاح توجيه موارده نحو مناطق مثل برشيد وسطات التي لا تملك مصدراً آخر.
كما تم تعزيز المنظومة عبر مشاريع موازية، من بينها محطة تحلية مياه البحر بالجرف الأصفر بقدرة 60 مليون متر مكعب سنويا، والتي ساهمت في تجاوز أزمة التزويد خلال صيف السنة الماضية، حيث تم ربطها بسد « الدورات » لضمان الماء الصالح للشرب لتلك المدن وللعالم القروي الذي كان يعاني بشدة.
وعن الوضعية الحالية، يقول المسؤول: «لو افترضنا السيناريو الأكثر تشاؤما، عدم هطول الأمطار لعامين متتاليين، فبفضل المخزون الحالي وبفضل مشروع التحويل، لدينا ما يكفي من الماء حتى صيف 2028»، مشيرا إلى أن الفضل يعود أيضا لسد «تيداس» الذي دخل الخدمة في بداية 2023، والذي يخزن حاليا حوالي 450 مليون متر مكعب، وهو يقع في عالية سد سيدي محمد بن عبد الله.
انتعاشة «المسيرة» تبعث الأمل.. لكن
حسب معطيات توصلنا بها من وكالة الحوض المائي لأم الربيع، فقد سجل هذا الأخير خلال الفترة الممتدة من فاتح شتنبر 2025 إلى غاية 25 مارس من هذه السنة تساقطات مطرية هامة بلغت حوالي 519 ملم، مسجلة بذلك فائضا يقدر ب 64% مقارنة مع سنة عادية، وقد تفاوتت الكميات المطرية المسجلة حسب الأحواض الفرعية، حيت بلغت 668 ملم بعالية هذا الحوض و369 ملم بسافلته.
وقد بلغت الواردات المائية المسجلة بمختلف السدود الكبرى المتواجدة بالحوض المائي لأم الربيع خلال نفس الفترة أي منذ فاتح شتنبر2025 إلى غاية 25 مارس 2026 حوالي مليارين و671 مليون متر مكعب مسجلة بذلك فائضا يقدر بـ57% مقارنة مع نفس الفترة لسنة عادية وبفائض كذلك يقدر ب 403% مقارنة مع نفس الفترة من السنة الماضية.
وفيما يخص سد المسيرة والذي يعتبر أكبر سد على مستوى منطقة نفود وكالة الحوض المائي لأم الربيع ويلعب أدوار هامة خاصة في تلبية الحاجيات من الماء الشروب والصناعي لمجموعة من المدن والمراكز الكبرى : الدار بيضاء والجديدة وآسفي ومراكش وسيدي بنور سطات بنجرير برشيد ازمور وعدة مراكز بالإضافة إلى تزويد مدار دكالة بمياه السقي، فقد بلغت الواردات المائية المسجلة به خلال نفس الفترة السالفة الذكر حوالي 505 مليون متر مكعب مسجلة بذلك فائضا يقدر بـ6% مقارنة مع نفس الفترة لسنة عادية وبفائض كذلك يقدر بـ547 % مقارنة مع نفس الفترة من السنة الماضية، ونتيجة لذلك فإن حجم حقينة هذا السد بلغ بتاريخ 25 مارس 2026 حوالي 885 مليون متر مكعب أي ما يمثل 33.3% كنسبة ملئ، في حين أن هاته النسبة بلغت حوالي 4.3 % في نفس الفترة من السنة الماضية أي ما يناهز 116 مليون متر مكعب.
وحسب الوكالة فمن شأن هذا التحسن الملحوظ في المخزون المائي لهذا السد أن يساهم في تحسين تلبية الحاجيات المائية لمختلف الاستعمالات، مع ضمان التزويد بالماء الصالح للشرب لسنتين قادمتين على الأقل بالمدن والمراكز المذكورة سابقا ومنها جنوب مدينة الدار البيضاء.
