سوق البحيرة بالدار البيضاء: الجرافات تطوي صفحة التاريخ والمهنيون قلقون على مصيرهم

تجار سوق البحيرة بالدار البيضاء خلال وقفة احتجاجية

في 23/01/2026 على الساعة 17:00

ودعت مدينة الدار البيضاء واحدا من أعرق معالمها التجارية والثقافية، «سوق البحيرة» بالمدينة القديمة. فتحت وطأة مشروع «المحج الملكي» الضخم، سُوّيت مئات المحلات بالأرض، مخلفة وراءها مئات الأسر التي وجدت نفسها فجأة أمام واقع اقتصادي غامض، وذاكرة حضرية تلاشت بين ركام الإسمنت.

وشرعت السلطات المحلية لعمالة مقاطعات آنفا، مدعومة بجرافات الشركة المكلفة بالأشغال، في هدم 262 محلا تجاريا كانت تشكل القلب النابض لسوق البحيرة. هذا الإجراء جاء تنفيذا لقرار الإغلاق المستند إلى تقارير تقنية حذرت من تهالك البنايات وخطورتها على السلامة العامة، وضمن مخطط تحديث البنية التحتية للمدينة القديمة.

ولم يكن سوق البحيرة مجرد فضاء تجاري عابر، بل كان ملاذا للمثقفين والطلبة والباحثين عن الكتب النادرة والمراجع المستعملة بأسعار زهيدة، فضلا عن تجارة الحقائب والأدوات البسيطة، مما جعله جزءا أصيلا من الهوية الثقافية لـ «كازابلانكا».

260 محلا ومصير آلاف الأسر

خلف قرار الهدم تداعيات اجتماعية واقتصادية عميقة؛ فالمعطيات الميدانية تؤكد أن كل محل من المحلات المهدمة كان يعيل ما بين خمس إلى ست أسر، مما يعني أن الضرر طال آلاف الأفراد من تجار وعمال وموردين.

وعبّر التجار في تصريحات متفرقة عن «صدمتهم» من سرعة التنفيذ، حيث اضطر الكثيرون لإفراغ محلاتهم تحت ضغط ضيق الوقت وقطع التيار الكهربائي، مما أدى إلى تلف كميات كبيرة من السلع والكتب، أو بيعها بأثمان بخسة لتفادي ضياعها الكلي، فيما انتهى جزء كبير منها في «العراء» لغياب بدائل للتخزين.

وأجمع تجار سوق البحيرة على أن «مطلبنا ليس المال، بل الاستمرارية.. التعويض المادي لا يشتري المستقبل».

الغرفة التجارية على خط المواجهة

في محاولة لاحتواء حالة الغليان وفتح قنوات الحوار، عقد حسن البركاني، رئيس غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة الدار البيضاء–سطات، اجتماعا طارئا مع المتضررين يوم الثلاثاء الماضي.

وأسفر الاجتماع الذي احتضنه مقر غرفة التجارة والصناعة والخدمات عن وضع خارطة طريق استعجالية تهدف إلى نقل الملف من «أزمة هدم» إلى «مسار حل »، حيث تقرر توجيه مراسلة رسمية وشديدة اللهجة إلى نبيلة الرميلي، عمدة مدينة الدار البيضاء.

وتهدف هذه المراسلة إلى حث المجلس الجماعي على البحث الفوري عن حلول عملية، توازن بين المصلحة العامة للمدينة وبين الحقوق الاقتصادية للتجار الذين وجدوا أنفسهم فجأة دون مورد رزق.

وفي السياق ذاته، شددت الغرفة على ضرورة دراسة إمكانية تخصيص دعم مالي استثنائي لفائدة المتضررين كإجراء ظرفي للتخفيف من حدة الأضرار. كما تم التأكيد على أن الدور الذي تلعبه الغرفة حاليا هو دور « الوسيط الاستراتيجي » الذي يسعى لضمان عدم تحول مشروع « المحج الملكي » إلى سبب في تعميق الهشاشة الاجتماعية، مع التأكيد على أن السلطات ليست في خصومة مع المهنيين بقدر ما تسعى لتنزيل مشاريع هيكلية.

من جانبه، تبلور خلال اللقاء موقف موحد للتجار يرفض الاكتفاء بالتعويضات المالية الجامدة، معتبرين أن « البديل العيني » هو المطلب الأساسي غير القابل للتفاوض.

وخلص الاجتماع إلى ضرورة العمل على إحداث « سوق نموذجي » يلم شمل الـ262 تاجرا، بما يضمن استمرارية أنشطتهم التجارية وحمايتهم من شبح الملاحقات القضائية الناتجة عن تعثر التزاماتهم المالية تجاه الموردين والعمال بعد توقف نشاطهم القسري.

بين التحديث والعدالة الاجتماعية

بينما ترى السلطات في الهدم خطوة ضرورية لحماية الأرواح وإخراج مشروع « المحج الملكي » إلى النور، يرى التجار أنهم « ضحايا التنمية » التي لم توفر لهم بدائل تليق بحجم إسهامهم التاريخي والاقتصادي.

ويبقى ملف سوق البحيرة مفتوحا على مصراعيه؛ فهل تنجح السلطات في إيجاد « حل مستدام » يعيد لهؤلاء التجار استقرارهم، أم أن ركام « البحيرة » سيكون آخر عهدهم بمهنة توارثوها عبر الأجيال؟

تحرير من طرف هيئة التحرير
في 23/01/2026 على الساعة 17:00