ثاني أكبر منشأة مائية بالمملكة.. التساقطات المطرية الاستثنائية تنقذ سد المسيرة من الجفاف

ارتفاع نسبة ملء سد المسيرة يوم الأربعاء 4 مارس2026 إلى 31.73 في المائة مقارنة بـ2.3 في المائة فقط خلال الفترة نفسها من السنة الماضية.

سد المسيرة، ثاني أكبر سدود المغرب

في 07/03/2026 على الساعة 12:08

عادت الحياة لتدب من جديد في سد المسيرة، ثاني أكبر خزان مائي بالمملكة والقلب النابض لحوض أم الربيع، فبعد سنوات الجاف يبست خلالها أشجاره وظهرت تشققات أراضيه، عاد اليوم ليسجل مئات الملايين من الأمتار المكعبة من الواردات، إذ بلغت نسبة ملئه، إلى حدود الجمعة 6 مارس 2026، حوالي 31.73 في المائة، أي 843.13 مليون متر مكعب من المياه، وهي نسبة لم يسجلها السد منذ دجنبر 2018، مقارنة بـ2.3 في المائة فقط خلال الفترة نفسها من من السنة الماضية، أي حوالي 60 مليون متر مكعب.

فبمجرد وصولك إلى سد المسيرة، يلفت انتباهك ذلك التحول الواضح في المشهد، مساحات واسعة كانت خلال الفترة نفسها من السنة الماضية عبارة عن أراضي قاحلة، لونها أصفر شاحب، تستعيد اليوم حيويتها وقد غمرتها المياه من جديد.

وبلغ مجموع الواردات المائية بالسد، منذ شتنبر 2025 إلى غاية يوم 1 مارس 2026، ما مجموعه 822 مليون متر مكعب، وفق ما أكده سعيد أيت فريحة، رئيس مصلحة تخطيط موارد المياه والدراسات بوكالة الحوض المائي لأم الربيع. 467 مليون متر مكعب من هذه الواردات تمثل واردت السد من الأمطار الاستثنائية التي شهدتها المملكة، و355 مليون متر مكعب ناتجة عن تحويل حجم مائي بلغ 420 مليون متر مكعب من سدي أحمد الحنصالي ومولاي يوسف بعد تسجيلهم مستويات ملء جيدة تراوحت بين 70 و90 في المائة.

هذه التساقطات المطرية المهمة التي عرفتها المنطقة، يؤكد المتحدث، «ساهمت في الرفع من المخزون المائي إلى مستويات أفضل بعد 7 سنوات متتالية من الجفاف، وأعادت قدرا من التوازن إلى المنظومة المائية بالمنطقة». مشيرا إلى أنها «لا تعني بعد الوصول إلى مرحلة الأمان المائي الكامل».

ولفت المسؤول إلى أن تحسن المخزون المائي سيمكن من برمجة أفضل لمواسم السقي وحماية الزراعات والأشجار المثمرة، مع تخفيف الضغط على المياه الجوفية. وفي هذا السياق، تمت برمجة طلقات مائية مخصصة للسقي بتنسيق مع المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي وباقي المتدخلين، حيث jتم برمجة هذه الطاقات المائية وفق تقييمات تقنية دقيقة توازن بين متطلبات السقي وضمان استدامة الموارد.

أما بخصوص مشروع الربط بين سد سيدي محمد بن عبد الله وسد المسيرة، الذي يندرج ضمن رؤية استراتيجية لتعزيز التضامن المائي بين الأحواض وتأمين التزويد بالماء الشروب، يؤكد رئيس مصلحة تخطيط موارد المياه والدراسات، فمن المزمع انطلاق الأشغال المرتبطة بهذا المشروع نهاية هذه السنة.

هذا التحسن، يأتي بعد مرحلة حرجة غير مسبوقة، بلغت ذروتها في يناير 2024، حين أعلن وزير التجهيز والماء، رسميا، جفاف السد، بعدما تراجعت نسبة ملئه إلى أقل من 1 في المائة، وهي كمية تم تعزيزها آنذاك عبر تحويلات مائية من سدي بين الويدان والحنصالي، في محاولة لتفادي خروجه الكلي عن الخدمة، خصوصا وأنه يلعب دورا مركزيا في تأمين الماء الشروب والصناعي لعدد من المدن الكبرى، من بينها جنوب الدار البيضاء، الجديدة، آسفي، بني ملال، سطات وبرشيد، إضافة إلى المراكز المرتبطة بها، كما يزود المدار السقوي لدكالة، الذي يمتد على مساحة تناهز 97 ألف هكتار، بمياه الري.

بين الوفرة والجفاف.. تحليل بيانات أربعة عقود

خلال مساره الممتد لأكثر من أربعة عقود، عكس السد منذ بداية استغلاله سنة 1979 التحولات المناخية التي عرفها المغرب بين سنوات ماطرة وأخرى جافة.

ويوضح جدول تطور نسب ملء سد المسيرة، مسارا مائيا متقلبا يعكس بشكل واضح تأثير التحولات المناخية بالمغرب.

وتبرز المعطيات أن السد عرف، خلال المرحلة الممتدة بين منتصف الثمانينيات وبداية التسعينيات (1985-1991)، وضعية مائية مريحة نسبيا، حيث تراوحت نسب الملء غالبا بين 40 و60 في المائة. مع قدرة سريعة على التعافي بعد سنوات الجفاف. على سبيل المثال، في مطلع التسعينات، تهاوت نسبة ملئه إلى 10% (أبريل وماي عام 1993)، لكن وبمجرد حلول موسم مطري جيد (مثل 1995-1996)، قفزت النسبة من 8% إلى 91% في 6 أشهر، ما يعكس حيوية الحوض المائي آنذاك.

وكانت الفترة الممتدة من أواخر سنة 1996 إلى غاية 1999 هي ذروة الوفرة، حيث سجل مستويات امتلاء قياسية قاربت أو فاقت 90 في المائة في عدد من الأشهر، في واحدة من أكثر المراحل استقرارا في تاريخ السد، ما يعكس وفرة التساقطات وتحسن الواردات المائية آنذاك.

غير أن هذه الوضعية لم تستمر طويلا، حيث بدأت المؤشرات منذ ماي 2000 تظهر تراجعا تدريجيا في المخزون، نتيجة توالي سنوات أقل مطرا وارتفاع الطلب على الموارد المائية المرتبط بالتوسع الفلاحي والنمو الديمغرافي، إذ دخلت الحقينة في مسار تنازلي تدريجي، متراجعة إلى ما دون عتبة 50 في المائة، واستمر هذا الانخفاض إلى حدود مارس 2009، قبل أن يستعيد السد نسقه التصاعدي مع تحسن التساقطات.

أما الفترة ما بين 2010 و2016، فكانت إحدى أفضل مراحل السد وآخر مرحلة انتعاش حقيقية، إذ تراوحت نسب الملء خلالها بين 60 بالمائة كحد أدنى و100 بالمائة في عدة أشهر ومواسم، وهي سنوات اتسمت باستقرار نسبي في الموارد المائية.

غير أن هذا الانتعاش أعقبه منحنى تنازلي واضح ابتداء من أواخر سنة 2016 وتحديدا شهر شتنبر، حيث بدأ مخزون المياه يقل عن الـ50 بالمائة، ليدخل بعدها في مرحلة إجهاد مائي حاد بداية 2017 (بين يناير ويوليوز)، وفي نهاية السنة ذاتها دخل السد مرحلة مقلقة، حيث لم تعد نسب الملء في أفضل الحالات تتجاوز 30 في المائة إلى حدود 2021. ومع أواخر سنة 2022، انتقل إلى مرحلة الجفاف الحاد، إذ تهاوت النسبة إلى أقل من 10 بالمائة بشكل متواصل شهرا بعد شهر، قبل أن تبلغ مستويات غير مسبوقة تقل عن 1 بالمائة سنة 2024 حين أعلن جفافه.

تحرير من طرف فاطمة الزهراء العوني و عادل كدروز
في 07/03/2026 على الساعة 12:08