وارتبط هذا التحول بما اعتبره مغاربة استفزازا وظلما ونكرانا للجميل، عقب نهاية المباراة النهائية التي جمعت المنتخب المغربي بنظيره السنغالي، وانتهت بتتويج هذا الأخير باللقب، وسط أجواء مشحونة رافقتها اتهامات وحملات إعلامية ورقمية وصفت بالمعادية، استهدفت المغرب وتنظيمه للبطولة.
وعلى امتداد أسابيع المنافسة، نجح المغرب في تنظيم كأس إفريقيا للأمم وفق معايير عالمية، سواء من حيث البنية التحتية، وجودة الملاعب، والتجهيزات التقنية، أو من خلال الفنادق ووسائل النقل وحسن الاستقبال، حيث حجت جماهير من مختلف دول القارة وخارجها لحضور هذا الحدث الكروي القاري.
غير أن هذا الإجماع الإيجابي بدأ يتراجع مع اقتراب المباراة النهائية، بعدما صدرت عن بعض الأطراف المشاركة تصريحات تشكك في ظروف التنظيم، وهو ما اعتبره مغاربة محاولة للتقليل من مجهودات كبيرة بذلت طيلة فترة البطولة، وتشويها لصورة بلد استثمر ماديا وبشريا لإنجاح التظاهرة.
وعرفت المباراة النهائية، التي أقيمت بملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط، توترا كبيرا عقب احتجاج جماهير سنغالية على قرار تحكيمي باحتساب ركلة جزاء لصالح المنتخب المغربي في الدقائق الأخيرة من اللقاء، ما دفع مدرب منتخب السنغال إلى دعوة لاعبيه للانسحاب، قبل أن تتطور الأمور إلى أعمال شغب داخل المدرجات.
وأفادت تقارير إعلامية بأن هذه الأحداث تسببت في أضرار مادية جسيمة شملت تخريب مقاعد وشاشات وتجهيزات داخلية، باللإضافة إلى معدات بعض الصحفيين. هذا وأوقفت السلطات الأمنية 18 مشجعا سنغاليا ومشجعا جزائريا، للاشتباه في تورطهم في أعمال الشغب.
ومن جهته، أعلن الاتحاد الإفريقي لكرة القدم إدانته لـ«السلوك غير المقبول» الذي صدر عن بعض اللاعبين والمسؤولين، مؤكدا فتح تحقيق وإحالة الملف على الهيئات المختصة.
دفعت هذه التطورات، مرفوقة باتهامات وجهت للمغرب بالاعتماد على «الغش» و«الكولسة» لبلوغ النهائي، عددا من المغاربة إلى التعبير عن غضبهم وندمهم على تبني خطاب «خاوة خاوة» مع بعض الجماهير والمنتخبات التي، في نظرهم، لم تقدر حجم الترحيب وحسن الضيافة التي حظيت بها.
وساهم في انتشار هذا الشعار الجديد انخراط عدد من المشاهير والمؤثرين المغاربة، الذين اعتبروا أن ما حدث تجاوز حدود التنافس الرياضي إلى محاولات متعمدة للإساءة إلى صورة المغرب ومجهوداته.
وفي قراءة لهذه الحملة، قال محسن بنزاكور، الباحث في علم النفس الاجتماعي، في تصريح لـLe360، إن ردة الفعل التي عبر عنها المغاربة بعد نهائي كأس إفريقيا «مفهومة من الناحية النفسية، لكنها غير مقبولة من حيث المبدأ».
وأوضح بنزاكور قائلا: «بعد خيبة أمل كبيرة، خصوصا عندما تكون كل المؤشرات توحي بأن التتويج سيبقى في المغرب، يصبح التعبير العاطفي عن الغضب أمرا طبيعيا. المغاربة عاشوا هذه البطولة بكل جوارحهم، واستثمروا فيها وجدانيا ورمزيا، وهو ما جعل الصدمة قوية».
وأضاف: «طريقة نهاية المباراة، وما رافقها من احتجاجات وأحداث شغب، ثم استغلال بعض الأطراف لهذه الوقائع لتشويه صورة المغرب، كلها عناصر ساهمت في خلق شعور بالإهانة لدى المواطن المغربي».
وتابع بنزاكور: «من الطبيعي أن تكون هناك ردة فعل عاطفية، وأن يعبر الناس عن رفضهم واستيائهم، لكن لا يمكن قبول أن يتحول هذا الغضب إلى أفكار إقصائية أو قطيعة مع المحيط، لأن المغرب لا يمكنه أن يعيش منعزلا عن العالم».
وشدد المتحدث نفسه على أن المغرب، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، في حاجة إلى التبادل والعلاقات، موضحا: «الحديث عن المغرب كجزيرة لا يجب أن يفهم على أنه قطيعة، بل كقدرة على التفكير بذكاء واستقلالية، دون الانفصال عن المحيط الإقليمي والدولي».
وفي ما يخص الدعوات إلى تغيير أسلوب الترحيب بالزوار والسياح، قال بنزاكور:المغربي لا يمكنه أن يغير طبيعته بسهولة. الكرم والضيافة قيم متجذرة في ثقافته وتربيته عبر قرون، ولا يمكن لمرحلة غضب عابرة أن تمحو هذا الإرث».
وختم تصريحه بالقول: « من حق المغاربة أن يشعروا بخيبة الأمل، ومن حقهم أن يغضبوا، لكن ليس من حقهم أن يغيروا هويتهم أو يتنكروا لتاريخهم. نحن مغاربة وسنبقى مغاربة، مهما كانت الظروف».



