أمطار أبريل تعزز مخزون السدود وتبشر بموسم فلاحي جيد.. هل يتجه المغرب نحو طي صفحة الجفاف؟

سد بين الويدان

في 11/04/2026 على الساعة 07:00

خلال السنوات السبع الماضية، عاش المغرب تحديات متزايدة مرتبطة بالتغيرات المناخية، وكان القطاع الفلاحي أكثر القطاعات تضررا، إذ تسبب شح التساقطات في تقليص المساحات المزروعة، وتضرر الأراضي الفلاحية، ناهيك عن ارتفاع كلفة الإنتاج وجفاف المراعي وما رافقه من تراجع في القطيع الوطني. لكن خلال الأشهر الأولى من هذه السنة، عرفت المملكة تساقطات استثنائية، وهي الزخات التي لم تكن مجرد غيث عابر، بل كانت بمثابة «طوق نجاة» لموسم فلاحي بدأ تحت وطأة التوجس.

ومع انتعاش حقينة السدود والفرشة المائية، «هل تعني هذه الأمطار نهاية مرحلة الجفاف، أم أن الأمر مجرد انفراج ظرفي في وضعية مائية ما تزال هشة؟».

كمال أبركاني، الخبير في الهندسة الزراعية وأستاذ الكلية متعددة التخصصات بجامعة محمد الأول، يؤكد أن الموسم الحالي يتميز بتحسن واضح مقارنة بالسنوات الماضية. ويقول إن التساقطات المسجلة هذه السنة كانت مهمة، خصوصا إذا ما قورنت بالموسم الفلاحي الماضي وسنوات الجفاف التي عرفتها البلاد في الفترة الأخيرة.

وأوضح أبركاني أن نسبة ملء السدود بلغت حوالي 75 في المائة، مشيرا إلى أن هذا التحسن انعكس مباشرة على النشاط الفلاحي و«المؤشر النباتي» الذي يتم رصده عبر الأقمار الاصطناعية، ما يبشر بمراعٍ خصبة وتوفر الكلأ للماشية، وهو ما أشير إليه أيضا خلال المجلس الوزاري الذي ترأسه الملك محمد السادس، حيث تم التأكيد على المؤشرات الإيجابية التي يعرفها الموسم الزراعي الحالي.

هذا الانتعاش المائي، وفق ما أوضحه الخبير لم يقتصر على الموارد السطحية والسدود فقط فقط، بل امتد ليشمل الفرشة المائية الجوفية التي استعادت توازنها في عدة مناطق ما شجع الفلاحين على الإقبال بكثافة على الزراعات الربيعية، وتدارك التأخر الذي طال المحاصيل الخريفية.

«تحسن المخزون المائي يشكل عاملا مشجعا للفلاحين، خاصة في ما يتعلق بالزراعات الربيعية التي يتوقع أن تعرف انتعاشا خلال هذا الموسم، كما أن الزراعات الخريفية بدورها استفادت من الأمطار، رغم أن انطلاقتها كانت متأخرة نسبيا بسبب ضعف حقينة السدود في بداية الموسم، والتي لم تكن تتجاوز آنذاك نحو 30 في المائة».

وتابع المتحدث: «ارتفاع منسوب المياه في الآبار يعد مؤشرا إيجابيا على وجود احتياطي مائي يمكن أن يخفف من حدة الإجهاد المائي في حال عرف الموسم المقبل نقصا في التساقطات».

لكن رغم هذه المؤشرات الإيجابية، يحذر أبركاني من التفاؤل المفرط، فمسألة توفر المياه خلال السنوات المقبلة تظل مرتبطة بعوامل مناخية يصعب التنبؤ بها على المدى البعيد قائلا: «من الصعب جدا الجزم بأن هذه الاحتياطيات ستكفي للسنوات القادمة بشكل مطلق، فالتخطيط الزراعي يجب أن يظل محكما ومعقلنا»، مشيرا إلى أن المعدل الوطني لملء السدود لا يعكس دائما الوضعية الحقيقية في جميع المناطق، إذ ما تزال بعض الأحواض المائية، خاصة في المناطق الوسطى، تسجل مستويات أقل قد تصل إلى نحو 50 في المائة فقط.

لذلك يشدد الخبير على ضرورة تدبير المياه بمنطق «الموسم بموسمه» واعتماد تخطيط زراعي محكم يقوم على الاستعمال المعقلن للموارد المائية، وعدم بناء التوقعات على أساس موسم ممطر واحد، لأن احتمال العودة إلى سنوات جافة يظل قائما في ظل التقلبات المناخية.

في المقابل، يرى أبركاني أن المغرب راكم خلال السنوات الماضية تجربة مهمة في تدبير فترات الجفاف، فلم يعد الاعتماد مقتصرا على السدود والموارد الجوفية فقط، بل تم إطلاق عدد من المشاريع الاستراتيجية، من بينها تحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، إلى جانب برامج ترشيد استعمال المياه في الفلاحة.

هذه المقاربة المتعددة تهدف إلى تعزيز الأمن المائي والغذائي للمملكة، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي أصبحت تفرض تحديات متزايدة على القطاع الفلاحي.

ومع ذلك، يلفت الخبير إلى أن الموسم الفلاحي لا يتأثر فقط بالعوامل المناخية، بل كذلك بالتطورات الاقتصادية الدولية، ففي الفترة الأخيرة، ساهمت التوترات الجيوسياسية في ارتفاع أسعار الطاقة وبعض المدخلات الفلاحية، مثل الأسمدة والبذور والأدوية الزراعية، وهو ما قد ينعكس على كلفة الإنتاج الفلاحي.

ورغم أن المغرب يعد من الدول المنتجة والمصدرة للفوسفاط، فإن جزءً من مكونات الأسمدة ما يزال يستورد من الخارج، الأمر الذي يجعل القطاع الفلاحي متأثرا بتقلبات السوق الدولية وسلاسل الإمداد.

وفي هذا السياق، يبرز أبركاني أهمية السياسات العمومية الداعمة للفلاحين، مشيرا إلى أن الدولة تواصل مواكبة القطاع الفلاحي من خلال برامج الدعم والتدابير الهادفة إلى الحفاظ على استقرار الإنتاج وتعزيز السيادة الغذائية.

وتابع: المغرب يعطي أولوية للقطاع الزراعي لمواكبته في جميع الحالات المناخية والاقتصادية، ففي مستهل الاجتماع الوزاري الذي ترأسه الملك محمد السادس، مساء أمس الخميس، استفسر صاحب الجلالة، حفظه الله، وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات حول سير الموسم الفلاحي الحالي.

وقد أكد الوزير أن هذا الموسم عرف تساقطات مطرية جد مهمة شملت جميع مناطق المملكة، ساهمت في انتعاش مختلف الأنشطة الفلاحية وفي توفير المراعي وتحسن حالة القطيع، مما يبشر بآفاق واعدة في المحصول الفلاحي.

وبلغ المعدل السنوي 520 ملمترا، بزيادة تقدر بـ54 في المائة مقارنة بالمعدل السنوي للثلاثين سنة الماضية، وهو ما أثر إيجابيا على مخزون السدود الذي بلغ 12.8 مليار متر مكعب بنسبة ملء وصلت إلى 75 في المائة.

وأوضح الوزير أن هذا المخزون سيمكن بلادنا من تغطية حاجيات مياه السقي بالنسبة للزراعات الربيعية والصيفية، وكذا حاجيات بداية الموسم الفلاحي المقبل.

وبالنسبة للأشجار المثمرة، كشف المسؤول الحكومي أن المغرب سجل إنتاجا مهما في الزيتون والحوامض والتمور، حيث تم تحقيق إنتاج قياسي في الزيتون بلغ 2 مليون طن، بزيادة تقدر بـ111 في المائة مقارنة بالسنة الماضية، كما أن إنتاج الحوامض بلغ 1.9 مليون طن بزيادة وصلت إلى 25 في المائة، و160 ألف طن بالنسبة للتمور بزيادة بلغت 55 في المائة، مقارنة بالموسم الماضي.

وبين التفاؤل الذي فرضته أمطار هذا الموسم والحذر الذي تفرضه التقلبات المناخية يشدد الخبير في الهندسة الزراعية على أن كل سنة ممطرة تشكل فرصة لتعزيز الاحتياطي المائي والاستعداد بشكل أفضل للمواسم المقبلة، لكن الحديث عن نهاية الجفاف بشكل نهائي، فيظل سابقا لأوانه في ظل معطيات مناخية يصعب التنبؤ بها بدقة.

تحرير من طرف فاطمة الزهراء العوني
في 11/04/2026 على الساعة 07:00