تؤكد الهجمات الإسرائيلية-الأمريكية على إيران، والردود الإيرانية التي استهدفت العديد من دول الخليج العربي أن التوازنات تبقى هشة. وفي هذا الإطار، فإن الموقف المغربي يندرج في إطار منطق ثابت يعطي الأولوية للاستقرار والشراكات الدائمة.
ينظر المغرب إلى هذه الأزمات من خلال قراءة واضحة: التضامن مع دول الخليج. منذ عدة عقود، حافظت الرباط مع دول الخليج على علاقة استراتيجية وحضارية عميقة. تتناقض هذه العلاقة تناقضا حادا مع العلاقات الصعبة تاريخيا بين المغرب وإيران. إن فهم الموقف المغربي يفترض، إذن، وقبل كل شيء، قياس قوة المحور الرباط-الخليج.
يتعلق الأمر بتضامن سياسي راسخ، يرتكز على الثقة، وتوافق الرؤى وفهم مشترك إلى حد كبير للقضايا الإقليمية الكبرى، سواء أكانت عربية أم دولية.
بالنسبة للرباط، يعد أمن الخليج جزءً لا يتجزأ من الأمن العربي الشامل. وتترجم هذه المقاربة مفهوما أوسع للتضامن الاستراتيجي، تصور يرى في استقرار شبه الجزيرة العربية عنصرا أساسيا في توازن العالم العربي.
وتبرز عدة أمثلة تبرز هذه العلاقة الوثيقة. فقد شارك المغرب في التحالف في اليمن إلى جانب عدد من دول الخليج، مبرهنا بذلك على التزامه الراسخ بالمساهمة في الجهود الأمنية الإقليمية الجماعية. وينضاف إلى ذلك التعاون العسكري والأمني المستدام، القائم على تبادل منتظم للمعلومات وشراكات استراتيجية وتنسيق وثيق في مجالات الدفاع والاستخبارات.
على المستوى الديبلوماسي أيضا، أظهر المغرب دائما دعمه لدول الخليج العربي في الأزمات الإقليمية الحساسة، مبرهنا على توافق سياسي يتجاوز المصالح الظرفية. وهكذا، فإن الرباط لا تعتبر منطقة الخليج كفضاء بعيد عنها، بل شريكا استراتيجيا هاما.
كما أن موقف بلدان الخليج الداعم للمغرب في قضية الصحراء وخلال الربيع العربي كان واضحا، وثابتا وقويا. وتدعم دول الخليج الإصلاحات التي يقوم بها المغرب، ولم تذخر جهدا في الاستثمار في مشاريع استراتيجية تسهم في بناء اقتصادات مستدامة. ويعد الدعم المالي المقدم لإطلاق برامج التنمية مهما. وقد كان هذا التضامن متبادلا، قبل هذه الفترة وأثناءها وبعدها.
يتمسك المغرب وملكيات دول الخليج بالأمن والاستقرار، ويطبقون إصلاحات تدريجية بدلا من القطائع الثورية المزعزعة للاستقرار، ويرفضون الشعارات الإيدلوجية لصالح التقدم الحقيقي. في عالم عربي غالبا ما يطغى عليه الخطابات الثورية، تعطي هذه الدول الأولوية للبناء المؤسساتي، والتنمية الاقتصادية والأمن. إن هذا التقارب هو الذي يفسر قوة علاقاتهم.
ولكن هذه العلاقات ليست سياسية فحسب. إنها تقوم أيضا على استثمارات مهمة، وتعاون سياحي ومالي، وكذا إلى وجود عدد كبير من العمال المغاربة في دول الخليج.
ومع ذلك، إذا كانت علاقة المغرب بدول الخليج تقوم على الثقة، فإن العلاقة مع إيران تختلف اختلافا جذريا. فإيران الملالي لم تكن في يوم من الأيام حليفا للمغرب. وعلى عكس دول الخليج، لم تكن إيران قط شريكا استراتيجيا للرباط، بل قطعت العلاقات الديبلوماسية بينهما في عدة مناسبات.
تعود أخر قطيعة بين البلدين إلى عام 2018، عندما اجتمعت عناصر من حزب الله بانفصاليي البوليساريو في المركز الثقافي التابع للسفارة الإيرانية بالجزائر. وتركزت المناقشات حول شحنات الأسلحة والتدريب المقدم من حزب الله للبوليساريو، بمباركة كل من إيران والجزائر. كما أن جهود التبشير التي تستهدف المغاربة في أوروبا، وكذا الأنشطة الإيرانية من أجل نشر التشيع والتطرف في العالم العربي وإفريقيا، ساهمت في تأزيم الوضعية. كل هذه العوامل غذت انعدام ثقة استراتيجي عميق لدى المغرب.
ويندرج انعدام الثقة هذا في إطار فهم أكثر شمولا لاستراتيجية إيران الإقليمية. فمنذ الثورة الإسلامية في 1979، طورت طهران تدريجيا سياسة نفوذ مبنية على شبكة من الفاعلين غير الحكوميين. ومن خلال منظمات مثل حزب الله في لبنان، وبعض الميليشيات في العراق أو الحوثيين في اليمن، تعتمد إيران على شبكة من الوكلاء التي تمكنها من بسط نفوذها الإقليمي دون الدخول في مواجهة مباشرة مع القوى الكبرى.
تمكن استراتيجية بسط النفوذ غير المتكافئة هذه طهران من ممارسة نفوذها في العديد من مناطق الأزمات، مع الحد من التكاليف السياسية والعسكرية لأي مواجهة مباشرة. كما تعكس هذه الاستراتيجية تنافسا استراتيجيا طويل الأمد مع ملكيات الخليج العربي، حيث تتصادم رؤيتان مختلفتان تماما للنظام الإقليمي.
تعارض إيران تماما ما يفعله المغرب، وما يدافع عنه، وما يسعى إليه. تعطي المملكة الأولوية للاستقرار الإقليمي، واحترام سيادة الدول، والحفاظ على التوازن في محيطها الاستراتيجي. ولذلك، تنظر الرباط بعين الريبة إلى أي عمل مزعزع للاستقرار، كتلك التي قامت بها إيران في العالم العربي وأفريقيا.
تستند السياسة الخارجية المغربية على الثبات والتماسك. وتجسد الشراكة مع دول الخليج العربي تضامنا سياسيا واستراتيجيا راسخا. تقوم هذه العلاقة على مصالح مشتركة وروابط اقتصادية وثقافية وإنسانية عميقة. وفي هذا الإطار، تبدو التوترات مع إيران أقل كخلاف أيديولوجي، وأكثر كنتيجة منطقية لاختيار استراتيجي واضح: اختيار المغرب الملتزم بالاستقرار الإقليمي، والشراكات الدائمة، واحترام سيادة الدول.

